
في كانون الأول/ديسمبر 2025، سهّلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) العودة الطوعية لـ155 عائلة نازحة من مخيم أبو خشب إلى محافظة دير الزور، في واحدة من أبرز حركات العودة المنظمة إلى شرق سوريا خلال العام الماضي.
وقالت المفوضية على حسابها في منصة “إكس” بتاريخ 20 كانون الأول إن فرقها وفّرت وسائل النقل وقدّمت معلومات حول الخدمات المتاحة، لضمان ما وصفته بـ“عودة آمنة وكريمة”. وأكدت محافظة دير الزور أن العائلات وصلت على ثلاث دفعات ونُقلت إلى مناطقها الأصلية في الريف الشرقي، ليبلغ العدد الإجمالي نحو 860 شخصاً، وفق بيانات رسمية.
وأفادت السلطات المحلية بأن مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل نسّقت مع مكتب التعاون الدولي لدعم العائدين. كما أشار موقع “دير الزور 24” إلى أرقام مماثلة، موضحاً أن نحو 150 عائلة وصلت على مدى ثلاثة أيام بعد سنوات من النزوح من مناطق كانت خاضعة سابقاً لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
بنية تحتية أنهكتها الحرب
لكن، وعلى الرغم من الرمزية التي تحملها العودة، تعكس الحياة اليومية في دير الزور حدود ما يمكن أن تحققه إعادة التوطين وحدها. فما تزال مساحات واسعة من البنية التحتية متضررة بعد أكثر من عقد من الصراع، في حين تكافح الخدمات العامة لمواكبة الطلب. ويؤثر نقص الكهرباء وضعف شبكات المياه ومحدودية الرعاية الصحية على السكان القدامى والعائدين على حد سواء، وفق تقارير محلية.
وحذّرت نائبة رئيس بعثة المفوضية في سوريا، عسير المضاعين، في تشرين الأول/أكتوبر، من أنه رغم وجود إطار إقليمي لعودة اللاجئين، فإن “العودة ستكون صعبة في بعض المناطق المتضررة”، مضيفة أن الدعم الدولي “غير كافٍ”. وجاءت تصريحاتها في وقت عاد فيه قرابة مليون لاجئ ونحو 1.8 مليون نازح داخلي إلى بلداتهم، بحسب أرقام أوردتها المفوضية.
البطالة تكبح اندماج العائدين
وبرغم الجهود المستمرة، برزت الضغوط الاقتصادية كأحد أبرز التحديات. ففي دير الزور، تهيمن البطالة على النقاش العام، ولا سيما بين الشباب العائدين. وقال عمر الحمادي لـ “تلفزيون سوريا” إن مطالبه الأولى التي نادى بها مع انطلاق الثورة ركّزت على العدالة في الوصول إلى فرص العمل، وهو مطلب قال إنه لا يزال دون تلبية.
من جهته، قال أنس المصطفى، وهو أيضاً عاطل عن العمل، إن عشرات الشبان في حيه يحملون شهادات جامعية لكنهم بلا وظائف مستقرة، ويعتمدون على أعمال يومية متقطعة. واعتبر الخبير الاقتصادي خالد العبد الله أن المدينة تحتاج إلى خطة تعافٍ شاملة تركز على إحياء القطاعات الإنتاجية، مشيراً إلى أن الاعتماد على التوظيف الحكومي لم يعد ينسجم مع الواقع الاقتصادي.
مرآة لاتجاهات أوسع
ويمثل السكن عقبة إضافية. فرغم أن دير الزور لم تشهد ارتفاعات حادة في الإيجارات على غرار مدن شرقية أخرى مثل رأس العين وتل أبيض -حيث ارتبطت الزيادات بعودة العائلات- إلا أن السكان يواجهون نقصاً في المعروض وتضرر المباني السكنية. وتُظهر التجارب في مناطق أخرى كيف يمكن لحركات العودة أن تضغط على الأسواق المحلية عندما يتأخر الإعمار عن تلبية الطلب.
وتؤكد المفوضية والسلطات السورية أن العودة طوعية ومنسّقة، إلا أن تجربة دير الزور تسلط الضوء على واقع أوسع: فمجرد العودة إلى مناطق الأصل لا يعالج سوى جزء محدود من معاناة النزوح، ما لم يترافق مع تقدم موازٍ في فرص العمل والإسكان والتعافي الاقتصادي. وكما قال الحمادي: “نريد فقط فرصة عادلة لإعادة بناء مدينتنا”، وهو تعبير يلخّص آمال آلاف العائدين الذين تمتزج فرحتهم بتحديات مرحلة ما بعد الأسد.
