
في خطوة قانونية ودبلوماسية غير مسبوقة، بدأت فرنسا إجراءات عملية لإعادة جزء من الثروة الضخمة التي اختلسها رفعت الأسد، عمّ بشار الأسد المخلوع، من خزينة الدولة السورية قبل عقود، والتي أُخفيت في أصول أوروبية.
التحويل الأولي والتعاون الثنائي
أكد مازن درويش، رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، أن الحكومة الفرنسية تستعد لتحويل 32 مليون يورو إلى سوريا كدفعة أولى. وتأتي هذه الخطوة في إطار آليات التعاون المالي والقانوني بين باريس ودمشق، واستنادًا إلى قانون فرنسي صدر عام 2021 يتعلق بالتنمية ومكافحة اللامساواة العالمية.
ويتيح هذا القانون إعادة الأصول غير المشروعة المصادَرة إلى السكان المتضررين عبر أطر تنموية. وأشار درويش إلى أن الجهود متواصلة لتوسيع نطاق المصادرات لتتجاوز 80 مليون يورو، بما يشمل عقارات فاخرة في باريس ومدن فرنسية أخرى.
الإطار القانوني
أوضح الخبير في القانون الدولي المعتصم الكيلاني أن العملية تستند إلى أحكام نهائية وملزمة صادرة عن القضاء الفرنسي. فقد قضت محكمة باريس الابتدائية عام 2020 بأن ثروة رفعت الأسد نتجت عن اختلاسات واسعة لأموال عامة سورية خلال ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى جرائم فساد وتهرب ضريبي في أوروبا. وقد أيدت محكمة النقض الفرنسية هذا الحكم لاحقًا، وأمرت بمصادرة جميع أصوله في فرنسا.
وبيّن الكيلاني أن المحاكم الفرنسية كانت قد رفضت سابقًا إعادة الأموال إلى النظام السوري السابق، خشية استخدامها في قمع المدنيين. وتميّز الترتيب الحالي -بحسب قوله- بضمانات قانونية ملزمة بشأن أوجه استخدام الأموال المستردة. وتُقدَّر قيمة أصول رفعت الأسد المصادَرة في فرنسا بنحو 100 مليون دولار، فيما يُعتقد أن الأصول المجمّدة في إسبانيا تبلغ قرابة 700 مليون دولار.
استخدام الأموال وآليات الرقابة
يتمثل عنصر محوري في الاتفاق في تحديد كيفية استخدام الأموال المستردة. وتنص البروتوكولات الموقّعة بين الحكومتين على تخصيص هذه الأموال لمشاريع تنموية وإنسانية داخل سوريا، تحت إشراف وزارة الخارجية الفرنسية. ويُلزم القانون الفرنسي بإعادة عائدات الأصول المصادَرة من قضايا الفساد إلى شعوب الدول المتضررة عبر برامج تنموية محددة بوضوح.
وعلى الصعيد السياسي، أثارت النائبة الفرنسية غابرييل كاتالا تساؤلات برلمانية لضمان الشفافية في آليات الاسترداد والتحويل. وفي الوقت نفسه، شرعت السلطات الفرنسية في تصفية العقارات المصادَرة، بما في ذلك عقار Harras de” “Besancq المعروض للبيع بسعر 2.1 مليون يورو، مع توقع إتمام الصفقة قبل منتصف عام 2026.
سابقة للمساءلة
يرى مراقبون أن هذه الخطوة تشكل سابقة مفصلية في الجهود الدولية لاستعادة الأموال العامة المنهوبة وملاحقة الفساد المرتبط بالأنظمة السابقة. وأشار مازن درويش إلى إجراءات قانونية جارية في إسبانيا لمصادرة أصول إضافية، إضافة إلى قضية منظورة في الدنمارك ضد شركة متهمة بدعم جرائم حرب في سوريا.
وشدد الكيلاني على أن مذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحق رفعت الأسد “تفتح الباب لمحاسبة رموز الفساد من النظام السابق”، مؤكدًا أن هذه الأموال هي أموال عامة سورية يجب أن تعود في نهاية المطاف إلى أصحابها الشرعيين.
