
في 2 شباط/فبراير من 1982، اقتحمت قوات نظام حافظ الأسد مدينة حماة، مُطلِقةً واحدة من أكثر المجازر وحشية في التاريخ الحديث. وعلى مدى 27 يومًا، خضعت المدينة لحصار خانق تخللته عمليات قصف عشوائي وإعدامات ميدانية واعتقالات جماعية. وأسفرت الحملة عن مقتل ما يُقدَّر بنحو 40 ألف مدني، وإخفاء قسري لأكثر من 17 ألف شخص، وتدمير كامل لأحياء بأكملها، فقط لأن سكانها قالوا «لا» للقمع.
ومع تحرر سوريا من نظام بيت الأسد، تمكن أهالي حماة للمرة الأولى من إحياء الذكرى الرابعة والأربعين للمجزرة علنًا في 2 شباط/فبراير 2026. ويُعد هذا الفعل الرمزي استعادةً لكرامة الضحايا وفتحًا لباب طال انتظاره نحو العدالة، بعد عقود من الزمن.
المساءلة عن مجزرة حماة “خطوة أساسية” لسوريا الجديدة
قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تصريح لـ Levant 24: “على مدى ثلاثة وأربعين عامًا، ظلت هذه المجزرة من أشد المحرمات في المجتمع السوري. وفي مرحلة ما بعد الأسد، يبرز فتح هذا الملف كخطوة أساسية لبناء دولة قائمة على العدالة وسيادة القانون، عبر مواجهة فظاعة المجزرة مباشرةً وثقافة الإفلات من العقاب التي كرّسها النظام السابق”.
وأكد عبد الغني، استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي، أن هذه الأفعال تُعد جرائم ضد الإنسانية، لكونها جزءًا من هجوم واسع ومنهجي موجّه ضد السكان المدنيين. وشدد على أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن مرور أكثر من أربعة عقود لا يُسقط المسؤولية القانونية عمّن أمروا أو خططوا أو نفذوا مجزرة حماة.
شهادات الناجين: ذاكرة لا تموت
رغم مرور السنوات، ما تزال تفاصيل المجزرة حيّة في ذاكرة الناجين. ففي مطلع شباط/فبراير 1982، استيقظ سكان حماة على أصوات الدبابات وهي تجتاح أحياءً عدة، منها العصيدة، الشمالية، الزنبقي، الكيلانية، الشرقية، الحميدية، البارودية، السخانة، الباشورة، الأميرية والمناخ وغيرها من الأحياء. فُرض حصار شامل، قُطعت خلاله الاتصالات والمياه والكهرباء، إلى جانب حظر تجوال لعزل المدينة، تلاه قصف عشوائي لم يرحم بشرًا ولا حجرًا.
وفي حديثه لـ Levant 24، روى عبد القادر الكيلاني (65 عامًا) كيف نجا بأعجوبة بعدما أطلقت قوات نظام الأسد النار عليه في حي الكيلانية. وقال: “حتى اليوم، لا أنسى مرارة مقتل أختي الصغرى بقذيفة مدفعية أثناء فرارنا من الحي إلى منزل جدي في الحاضر”.
وأضاف أنه شاهد عشرات الجثث لنساء وأطفال وشبان متناثرة في الشوارع، بينما كانت قوات النظام تطلق النار على كل شيء يتحرك. وأشار إلى أن الأهالي بقوا محاصرين في منازلهم حتى 25 شباط/فبراير، غير قادرين على الخروج أو دفن الضحايا.
من جهته، قال أحمد مراد من حي الزنبقي إنه كان في العاشرة من عمره وقت المجزرة، ولا يزال يتذكر بوضوح إعدام 15 شخصًا أمام عينيه، بينهم والده وشقيقه، بعدما أُجبروا على الاصطفاف بمحاذاة جدار قبل إطلاق النار عليهم.
وأوضح أن القصف استهدف جميع الأحياء دون تمييز بين المنازل ودور العبادة أو المراكز الطبية. وقال: “كل شيء كان مستهدفًا”، ما أسفر عن أعداد هائلة من الشهداء والجرحى.
إن إحياء الذكرى والفعاليات العامة في حماة تمثل لحظة مفصلية، تُحوّل عقودًا من الحزن الخاص والصمت المفروض إلى مطلب جماعي بالمحاسبة التاريخية والعدالة، وتضمن ألّا تغيب قصة حماة مرة أخرى عن أذهان العالم.
