
احتجزت السلطات الفرنسية مواطنًا سوريًا في باريس للاشتباه بارتكابه جرائم ضد الإنسانية، في خطوة تُعد الأحدث ضمن سلسلة قضايا في أنحاء أوروبا تهدف إلى محاسبة الانتهاكات المرتكبة خلال الصراع السوري الطويل.
وبحسب وكالة فرانس برس، وُضع رجل يبلغ من العمر 34 عامًا قيد الحبس الاحتياطي يوم الجمعة بعد مثوله أمام قاضي التحقيق. ويقول الادعاء إنه ارتكب جرائم خطيرة أثناء خدمته في جيش بشار الأسد بين مارس 2011 وديسمبر 2015.
وتشمل التهم “القتل العمد مع سبق الإصرار، والسجن أو غيره من أشكال الحرمان الشديد من الحرية، والتعذيب، والإخفاء القسري، وغيرها من الجرائم اللاإنسانية”، وفق ما أفاد به مكتب الادعاء الوطني لمكافحة الإرهاب، كما نقلت “AFP”. وكان المشتبه به، الذي عاش في فرنسا لعدة سنوات، قد أُوقف في وقت سابق من الأسبوع قبل توجيه التهم إليه رسميًا.
تقارير اللجوء تدفع التحقيقات
بدأت القضية بناءً على تقرير من المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، ما يسلط الضوء على الدور المتزايد لسلطات اللجوء في تحديد المشتبه بارتكابهم انتهاكات. وأشار المدعون إلى أنه بحلول نهاية عام 2024، كان نحو 60% من التحقيقات الأولية في جرائم ضد الإنسانية في فرنسا ناتجًا عن مثل هذه الإحالات.
وقال مسؤولون فرنسيون إن التحقيق شمل تعاونًا مع سلطات قضائية أوروبية، وآليات تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات دولية غير حكومية، في إطار جهود لجمع الأدلة وتحقيق المساءلة عبر الحدود.
وفي قضية مشابهة في ديسمبر، وُجهت اتهامات لرجل سوري آخر بالارتباط بوحدة استخباراتية مرتبطة بمركز احتجاز معروف بممارسة التعذيب. وقد بدأت تلك القضية أيضًا بناءً على تقرير من المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، ما يعكس نمطًا متكررًا في إطلاق هذه التحقيقات.
تحرك قانوني أوروبي أوسع
تأتي إجراءات فرنسا ضمن توجه أوسع في أوروبا، حيث تعتمد دول مثل ألمانيا والسويد وبلجيكا وهولندا بشكل متزايد على مبدأ الاختصاص القضائي العالمي. ويتيح هذا المبدأ للمحاكم محاكمة الجرائم الدولية الخطيرة بغض النظر عن مكان ارتكابها.
وخلال العقد الماضي، رفعت النيابات الأوروبية قضايا ضد مسؤولين سابقين في نظام الأسد ومتهمين بالتعاون معه ممن استقروا في أوروبا، في محاولة لسد فجوات المساءلة الناتجة عن غياب محاكمات دولية مباشرة مرتبطة بالنزاع السوري.
كما أصدرت السلطات الفرنسية عدة مذكرات توقيف دولية تستهدف شخصيات بارزة في نظام الأسد بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك قضايا مرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية واستهداف مناطق مدنية.
جهود مستمرة رغم إرث الصراع
يسلط الاعتقال في باريس الضوء على التداعيات القانونية المستمرة للصراع السوري الممتد منذ 14 عامًا، حتى مع إقامة العديد من المشتبه بهم بعيدًا عن مواقع الجرائم المرتكبة. ويعتمد المحققون على شهادات الناجين، ووثائق منظمات غير حكومية، والتعاون الدولي لبناء القضايا.
ورغم أن هذه المحاكمات غالبًا ما تكون معقدة وطويلة، فإن المحاكم الأوروبية تُظهر بشكل متزايد استعدادها للتحرك. وتُضاف قضية باريس إلى سلسلة متنامية من الإجراءات القانونية التي تسعى لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وترسيخ مبدأ أن هذه الجرائم يمكن ملاحقتها قضائيًا بغض النظر عن المكان.
