
“ثمن الحرية” سلسلة مقالات تهدف إلى تسليط الضوء على أبرز المجازر التي وقعت خلال نضال الشعب السوري الممتد لعقود من أجل التحرر من نظام الأسد الوحشي. وتستعرض كل مقالة الجرائم التي ارتُكبت على طريق التحرير، والكلفة الباهظة التي دفعها السوريون في سعيهم إلى الحرية والكرامة.
تتناول هذه الحلقة من السلسلة واحدة من أقدم وأبشع المجازر التي ارتكبها آل الأسد، وهي مجزرة حماة عام 1982، حيث جرى قتل ما يصل إلى 40 ألف شخص بشكل ممنهج، مع اختفاء آلاف آخرين قسرًا، خلال حملة دامت قرابة شهر قادها حافظ ورفعت الأسد، ونظامهما البعثي القمعي، في محاولة فاشلة لإخضاع المدينة ومحوها من الذاكرة.
____________________________
زمجر محرّك الدبابة وهي تندفع إلى الأمام، فيما كانت جنازيرها المعدنية تطحن إسفلت حيّ البارودية. وقف عبد الكريم ملتصقًا بجدار مع نحو 100 مدني آخرين، وُسِم كلٌّ منهم برقم. وعندما بدأت الآلية بسحق أجساد أولئك الذين أُمروا بالاستلقاء أرضًا، رفض بعضهم الانصياع، فقام الجنود بطعنهم. كان عبد الكريم يحمل الرقم 73. وحين توقفت الإعدامات فجأة عند الرقم 71، كُتِب له النجاة. وقال لاحقًا في مقابلة مع مجلة “New Lines”: “كنت في حالة هلع نفسي لأكثر من ثلاثة أشهر من هول المشهد ومن نجاتي بأعجوبة من الموت”.
مشاهد كهذه تكررت في أرجاء حماة خلال شباط/فبراير 1982، في ما أصبح إحدى أكثر المجازر دموية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ولسنوات طويلة، مُنع السوريون من الحديث عنها. أما اليوم، وبعد انهيار حكم آل الأسد، تكشف شهادات الناجين والتحقيقات الصحفية وتوثيقات منظمات حقوق الإنسان صورة أوضح عمّا جرى قبل 44 عامًا، وتُظهر حجم الجريمة التي شكّلت مستقبل سوريا وخلّفت جرحًا غائرًا في جيلٍ كامل.
مدينة تحت الحصار
بدأ الهجوم على حماة في 2 شباط/فبراير 1982، عندما تحركت القوات العسكرية والأمنية لنظام الأسد لسحق انتفاضة تركزت في المدينة. نُفِّذت العملية بأوامر مباشرة من حافظ الأسد، وشاركت فيها وحدات نخبوية، من بينها سرايا الدفاع بقيادة شقيقه رفعت الأسد، والقوات الخاصة، واللواء 47، إضافة إلى عدة أجهزة استخبارات.
فُرض طوق محكم على المدينة. قُطعت المياه والكهرباء والاتصالات. واستهدف القصف المدفعي الثقيل والغارات الجوية الأحياء السكنية، لا المسلحين فقط. اقتحم نحو 20 ألف جندي المدينة، بينما قصفت الطائرات الحربية والدبابات مناطق مكتظة بالسكان.
مُسحت أحياء كاملة عن الخريطة. وكان من بين الأحياء التي سُوِّيت بالأرض الكيلانية والعصيدة والزنبقي. ووصف نزار، وهو أحد أبناء حماة الذين اعتُقلوا خلال الهجوم، القصف العشوائي بأنه “محا أحياء لم تتعافَ قط”. وقال لمجلة “New Lines” إن الرجال والفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و75 عامًا جرى سحبهم من منازلهم واعتقالهم جماعيًا.

آلة قتل
ما تلا ذلك تجاوز حدود القتل. تقدّر الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن ما بين 30 ألفًا و40 ألف مدني قُتلوا خلال الهجوم الذي استمر قرابة شهر، مع إخفاء قسري لنحو 17 ألف شخص. ووفقًا للشبكة، جرى توثيق أسماء 7,984 مدنيًا قُتلوا، وجمع بيانات عن 3,762 مختفيًا قسرًا، مشيرةً إلى أن الفجوة تعكس عقودًا من الصمت القسري وتدمير الأدلة.
وتصف شهادات الناجين عمليات قتل خارج نطاق القضاء نُفذت في الشوارع والمنازل والمتاجر والمدارس. واستذكر نزار حادثة جمع رجال داخل متجر في شارع 8 آذار وإعدامهم رميًا بالرصاص. وفي واقعة أخرى قرب الملعب البلدي، جرى اختيار أكثر من 100 شاب وشابة عشوائيًا وإطلاق النار عليهم أمام معتقلين آخرين.
وفي مشفى حماة الوطني، قال عبد الكريم إن الجنود اقتحموا غرف العمليات ووحدات العناية المشددة وقتلوا مرضى كانوا تحت التخدير. ووصف تكدّس الجثث في باحة المشفى، بعضها يحمل آثار تعذيب، وقد نُقلت بالجرافات. أما الأطباء والممرضون فقد تم تركهم، لكن الرسالة كانت واضحة لا لبس فيها.
وتُشكّل هذه الأفعال، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، جرائم ضد الإنسانية، استنادًا إلى تعريفات القانون الدولي التي تشمل القتل والتعذيب والإخفاء القسري والاضطهاد بوصفها جزءًا من هجوم واسع وممنهج موجّه ضد المدنيين. ومثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ويجب تقديم مرتكبيها إلى العدالة.

محو الموتى
بعد أن صمتت البنادق، فرض نظام الأسد هجومًا ثانيًا: الصمت. رسميًا، جرى اختزال المجزرة إلى “أحداث” استهدفت “إرهابيين” إسلاميين، وتم محو الضحايا المدنيين من الرواية الرسمية للدولة. حتى مجرد ذكر اسم حماة كان قد يؤدي إلى الاعتقال أو التعذيب أو الاختفاء القسري.
أعاد الخوف تشكيل الحياة اليومية، وأصبحت عبارة “للجدران آذان” تحذيرًا شائعًا. أخفت العائلات صور أقاربها الذين قُتلوا، وتجنب الآباء إخبار أطفالهم بما حدث. ولسنوات طويلة، ذبلت الحياة الثقافية المزدهرة في حماة وما كانت تتمتع به من حيوية، تحت وطأة المراقبة والقمع.
دوليًا، كان الرد محدودًا للغاية. لم يُفتح أي تحقيق من قبل الأمم المتحدة، ولم يصدر أي قرار عن مجلس الأمن يتناول عمليات القتل. وأشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن كبار مسؤولي الأمم المتحدة لم يعترفوا علنًا حتى بحجم الفظاعة. هذا الغياب للمساءلة عزز شعور النظام بالإفلات من العقاب، وهو نمط سيتكرر لاحقًا بعد عام 2011.

مدينة أُعيد تشكيلها بالعنف
لا تزال الندوب المادية للمجزرة محفورة في مشهد مدينة حماة. فقد أُعيد بناء الأحياء التي دُمّرت وفق مخططات فرضها النظام، وشُيّدت مبانٍ حكومية فوق مناطق كانت سكنية سابقًا. ويُعتقد أن بعض هذه المواقع تضم مقابر جماعية غير معلنة.
أما الثمن الإنساني فكان أعمق بكثير. فقلّما خلت عائلة في حماة من فقدان شخص بالقتل أو الاعتقال أو الاختفاء. يسرى، التي اعتُقل والدها ثلاث سنوات في سجن مطار المزة العسكري، قالت لمجلة “New Lines” إنه تعرّض للتعذيب، بما في ذلك نزع أظافر يديه. وروى لاحقًا أنه شارك زنزانة مع طفل في الثالثة عشرة من عمره، اتُّهم بمساعدة “مقاتلي المعارضة”. ولا يزال مصير ذلك الطفل مجهولًا.
بالنسبة لعائلات المفقودين، امتدّ عدم اليقين عبر عقود. فغياب شهادات الوفاة أو الرفات علّق الحداد، وانتقلت الصدمة من جيل إلى آخر.
ومع ذلك، بقيت الذاكرة حيّة. كانت القصص تُهمَس في الخفاء. ووثّق كتّاب من حماة المجزرة وتداعياتها في روايات ومذكّرات. كما أُخفيت لسنوات صور التُقطت سرًا، بينها صور لمساجد وكنائس مدمَّرة. ولم تُعرض هذه الصور علنًا إلا بعد سقوط نظام الأسد الابن.

سقوط النظام وفتح الملف
في 8 ديسمبر 2024، فرّ بشار الأسد من سوريا، منهياً أكثر من نصف قرن من الحكم الوراثي. ولأول مرة منذ عام 1982، أصبح بإمكان الناجين والعائلات التحدث علنًا. أُقيمت مراسم رسمية لإحياء ذكرى المجزرة، وبدأت العائلات بالبحث عن معلومات حول أقاربهم المفقودين عبر القنوات الرسمية للدولة.
مثل هذا الحدث كان فرصة واختبارًا لمستقبل سوريا. فمواجهة مجزرة حماة، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أمر أساسي لفهم كيفية مؤسسات القمع ومنع تكراره. الثقافة المتمثلة في الإفلات من العقاب التي تأسست عام 1982 مهدت الطريق لارتكاب فظائع لاحقة، بما في ذلك تلك التي حدثت خلال ثورة 2011.
وفي تقريرها بمناسبة الذكرى، دعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات السورية الجديدة إلى الاعتراف رسميًا بالمجزرة كجريمة ضد الإنسانية، وتأسيس هيئات تحقيق مستقلة، وفتح أرشيفات الأمن، وتحديد مواقع المقابر الجماعية. كما حثّت الفاعلين الدوليين على دعم جهود المحاسبة والسعي للملاحقات القضائية بموجب الولاية القضائية العالمية حيثما أمكن.

حماة لن تُنسى أبدًا
بالنسبة لأهالي حماة، العدالة ليست مفهومًا مجردًا، بل مرتبطة بالأسماء والوجوه والأسئلة التي لم يتم الإجابة عنها. لا يزال عبد الكريم يتذكر والده الذي توسّل إلى الجنود لقتله هو بدلًا من ابنه، ليشهد بعد ذلك طعن طفله حتى الموت. وقال عبد الرحمن بلال، الذي فقد ثلاثة من أقاربه في المجزرة، لقناة الجزيرة إنه لسنوات لم يكن قادرًا حتى على النظر إلى صورهم.
تذكر حماة لا يتعلق بالماضي فقط، بل بمواجهة جريمة شكلت حاضر سوريا وتحذير العالم من تكرارها. وكما خلصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد انتظر الضحايا أكثر من أربعة عقود للاعتراف بهم، ولم يعش كثيرون لرؤية ذلك. أما من بقي على قيد الحياة فلا يزال ينتظر المحاسبة والعدالة، وضمان أن ما حدث في حماة لن يتكرر أبدًا.
