
لعب ليث البلعوس، وهو شخصية درزية بارزة من السويداء، دورًا في المشهدين السياسي والعسكري في المحافظة منذ عام 2011. والده هو الشيخ وحيد البلعوس، مؤسس حركة رجال الكرامة، الذي قُتل في تفجير سيارة مفخخة عام 2015، وأُصيب ليث نفسه بجروح في التفجير.
في أعقاب الاغتيال، جرى إبعاد ليث وشقيقه فهد عن الحركة التي أسسها والدهما، وسط تصاعد الخلافات حول القيادة والتوجه. ولاحقًا، أسس الشقيقان حركة شيوخ الكرامة، مقدّمين أنفسهما كتيار بديل داخل المشهدين العسكري والأمني في السويداء.
وكما كان حال والده سابقًا، يتولى ليث اليوم إدارة مضافة الكرامة، التي كانت المقر العملياتي السابق لحركة رجال الكرامة، وقد نجا خلال السنوات الأخيرة من عدة محاولات اغتيال. وبسبب انتقاداته الحادة للمشاريع الانفصالية وانفتاحه على التواصل مع دمشق، أصبح البلعوس شخصية مثيرة للجدل على المستوى المحلي.
في هذا الحوار، يطرح ليث البلعوس رؤيته لمستقبل السويداء، ويتناول الأزمة الأمنية التي تعصف بالمحافظة، ويعرض مبرراته لإعادة دمج سلطة الدولة في ظل الانقسامات الداخلية العميقة.
_______________________________
Levant 24: ما هي آخر تطورات الوضعين الأمني والسياسي في محافظة السويداء؟ وكيف ترون إمكانية حلّ الأزمة؟
ليث البلعوس: “أعتقد أن المشروع الانفصالي في جنوب سوريا وُلد ميتًا، وجميع المشاريع الانفصالية مصيرها الفشل. ثورة عام 2011 كانت امتدادًا للثورة السورية عام 1925، لأن كلتيهما طالبتا بحرية الشعب السوري. آباؤنا كانوا ضد المشاريع الانفصالية.
أتمنى أن نرى قريبًا السويداء خضراء (تحت السيطرة الكاملة للدولة السورية). نحن ندعم بشكل كبير خارطة الطريق التي أُعلنت في الأردن لحل أزمة السويداء. ومن بين بنودها ترميم وإعادة إعمار جميع المنازل والمباني المهدّمة، ودفع التعويضات عن الأضرار، ومحاسبة كل من ارتكب جرائم، وتجنيد عناصر من جهاز الأمن العام من أبناء السويداء.
قمنا بتأسيس مجلس عسكري لمحافظة السويداء، وتواصلنا مع وزارتي الدفاع والداخلية. واتفقنا على أن يكون أبناء السويداء (الدروز، والبدو السنّة، والمسيحيون) أعضاء في هاتين الوزارتين. كما اتفقنا على أن تقوم رئاسة الجمهورية العربية السورية بتسمية محافظ السويداء وكبار المسؤولين الإداريين، وأن يكون السلاح محصورًا بيد الدولة فقط.
هذه هي رؤيتنا للسويداء، وهذا الحل يصب في مصلحة أهلها. واليوم، فإن من يرفض هذا الحل يعمل ضد مصلحة السويداء، ويربط مصالحه بمشاريع خارجية، ويعمل ضد أبناء المحافظة”.
Levant 24: بعض مشايخ وناشطي الدروز المعارضين للحكومة يصفونك بـ”الخائن” للطائفة الدرزية، بقيادة حكمت الهجري. ما رسالتك لهم؟
ليث البلعوس: “الخيانة هي الارتهان للخارج. إيذاء الشعب السوري والترويج لمشاريع انفصالية خارجية مشبوهة هو الخيانة بعينها. نحن فخورون بأننا استطعنا حماية أهل السويداء من إراقة الدماء ومن هذه المشاريع المشبوهة، ولذلك نعتبر اتهامنا بـ“الخيانة” وسام شرف بسبب موقفنا المعارض لها.
من وجهة نظري، فإن من يرفض خارطة الطريق الخاصة بالسويداء هم الخونة الحقيقيون. يحمّلونني مسؤولية دخول قوات الحكومة إلى السويداء ويصفونني بالخائن، رغم أن مشايخ العقل الدروز (المرجعية الروحية العليا للدروز في سوريا، والمكوّنة من ثلاثة مشايخ) رحّبوا بزيارة الضباط العسكريين والأمنيين الحكوميين إلى مضافة الشيخ الراحل أبو فهد البلعوس في بلدة المزرعة (غرب السويداء) بتاريخ 14 تموز/يوليو 2025”.

“لقد رحّبتُ بالمسؤولين الحكوميين بناءً على طلب واضح من مشايخ العقل الثلاثة، إضافة إلى وجهاء اجتماعيين وقادة عسكريين محليين في السويداء. هؤلاء القادة أنفسهم لم يحضروا الاجتماع الذي كان مقررًا في 14 تموز لمناقشة انتشار قوات الحكومة في المحافظة.
في اليوم التالي، دخلت قوات من الجيش والشرطة التابعين للدولة إلى السويداء ووصلت إلى قرية كَفَر. وعقد الضباط الحكوميون اجتماعًا مع القيادات الدينية والاجتماعية الدرزية، بمن فيهم مشايخ العقل الثلاثة، في منزل يوسف جربوع (شيخ العقل أبو أسامة). وخلال هذا اللقاء، جرى تسجيل فيديو رحّب بدخول قوات الدولة السورية إلى محافظة السويداء، ودعا جميع المجموعات المحلية إلى دعم الحكومة.
أما سبب الهجوم عليّ ووصفي بالخائن، فهو أن الأشخاص أنفسهم الذين هاجموني اجتمعوا في اليوم التالي مع الضباط الحكوميين في منزل شيخ العقل. السبب بسيط: الشيخ ليث البلعوس يشكّل خطرًا على أصحاب الأجندات الخارجية. لذلك يصفونني بالخائن لتحميلي مسؤولية ما جرى في السويداء وإبعاد أنفسهم عن الأحداث”.
Levant 24: وسائل إعلام دولية تحدثت عن وجود تعاون وعلاقات مباشرة بين حكمت الهجري وإسرائيل. كيف تقيّمون دور إسرائيل في أزمة السويداء؟
ليث البلعوس: “ما كتبته صحيفة واشنطن بوست صحيح تمامًا. الشيخ حكمت الهجري أكد علاقته بإسرائيل قبل سقوط نظام الأسد، وقد نشرت الصحيفة ذلك بعد أيام قليلة من الانهيار.
الشيخ حكمت أدلى بتصريح لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية قال فيه: “عقدنا صفقة مع إسرائيل، ونحن اليد اليمنى لإسرائيل”. هذا التصريح يؤكد أن الشيخ حكمت عميل لإسرائيل. كما قال: “شكرنا الرئيس ترامب، وشكرنا رئيس الوزراء نتنياهو. نتنياهو هو حامي الطائفة الدرزية، ونحن إخوة في الدم”.
الحرس الوطني يتلقى دعمًا لوجستيًا من إسرائيل، وقد أثبتت طلعات المروحيات الإسرائيلية هذا الدعم. وبالمناسبة، فإن الشيخ حكمت هو من أسّس الحرس الوطني واللجنة القانونية العليا، في محاولة لتصوير هذه المجموعات المسلحة على أنها جيش شرعي ومنظم، ولإبعاد المسؤولية عمّا يجري في السويداء عنه شخصيًا”.
Levant 24: نحو 140 ألفًا من سكان السويداء (من الدروز والبدو) نزحوا من منازلهم وقراهم. هل تساهمون في إعادتهم أو في تحسين أوضاع إقامتهم؟
ليث البلعوس: “عدد الدروز النازحين في السويداء يتراوح بين 120 و130 ألفًا، إضافة إلى 30 إلى 40 ألفًا من البدو السنّة نزحوا بسبب أزمة تموز. العائلات الدرزية النازحة خرجت من 36 قرية في غرب وشمال السويداء إلى مدينة السويداء، وإلى المناطق الجنوبية والشرقية من المحافظة، إضافة إلى ريف دمشق.
أما البدو السنّة، فقد نزحوا من أحياء مدينة السويداء مثل المقوس، ورجم الزيتون، والمشورب، وكذلك من بلدتي شهبا والمزرعة. وكان نحو 15 ألفًا من البدو السنّة يقيمون داخل مدينة السويداء قبل أن يُهجَّروا إلى ريف دمشق ومحافظة درعا”.

Levant 24: كيف تقيّمون عملية إعادة الإعمار التي تقوم بها الحكومة السورية في إدارتها لـ33 بلدة وقرية في شمال وغرب السويداء؟ وإلى أي قرى عادت العائلات، ومتى؟
ليث البلعوس: “تعمل الحكومة السورية بجد على تأمين المساعدات، والمحروقات، والطحين، والأدوية لجميع العائلات النازحة، وهذا أحد بنود خارطة الطريق التي أُعلنت في الأردن. وأنا شخصيًا ساهمت في تأمين المواد الغذائية والأدوية للعائلات المهجّرة.
أود أن أتقدم بالشكر لمحافظ السويداء الدكتور مصطفى البكور، وللحكومة، على جهودهم في إعادة إعمار القرى والبلدات المدمّرة. ففي 20 كانون الثاني/يناير، أعلن المحافظ بكور رسميًا أن الحكومة أنهت بشكل كامل إعادة إعمار قرية أم حارتين، ودعا الأهالي إلى العودة إلى منازلهم.
إلا أن مجموعة من عائلات هذه القرية، ممن يؤيدون الشيخ حكمت الهجري، أصدرت بيانًا رفضت فيه العودة، واعتبرت أن كل من يعود هو “خائن” ويجب قتله. وقد عادت بعض العائلات الدرزية إلى بلدة المزرعة، لكن بأعداد محدودة لا تتجاوز نحو 5%، بسبب خوفهم من مشروع الهجري وتهديداته واتهامهم بـ“الخيانة”.
لقد قُتل الشيخ رعد المتني، والشيخ ماهر الفلحوط، وأنور الشاعر، والمهندس كرم منذر، وغيرهم من الدروز، وأُحرقت منازلهم بسبب دعمهم للحكومة. وحتى اليوم، يهاجم مسلحو الحرس الوطني العائلات العائدة إلى بلدة المزرعة بالأسلحة الرشاشة وقذائف الهاون لإجبارهم على مغادرة منازلهم. هؤلاء المسلحون الموالون للهجري يريدون إبقاء القرى الدرزية فارغة من سكانها، للحفاظ على روايتهم القائمة على “المظلومية”.

“كما أنهم يواصلون الحديث عن نساء مخطوفات ومغتَصَبات، لكنني أؤكد أنه لا توجد اليوم أي حالة واحدة لامرأة درزية مخطوفة أو مغتصبة. يتحدثون عن 2000 إلى 4000 درزي قُتلوا، بينما العدد المؤكد، بحسب الهلال الأحمر العربي السوري، يقارب 700 قتيل.
كانت هناك نحو 18 حالة خطف، وقد أُفرج عنهم جميعًا، أما اليوم فعدد النساء المخطوفات هو صفر. لا توجد أي امرأة درزية مخطوفة على الإطلاق. وسؤالي هنا: إذا كانت هناك نساء درزيات مخطوفات، لماذا لا تقوم عائلاتهن بعرض أو نشر صورهن وأسمائهن لإثبات هذه الادعاءات؟
في عام 2018، هاجم تنظيم داعش القرى الدرزية الشرقية وخطف ما بين 15 و20 امرأة، وكانت عائلاتهن تنظّم مظاهرات يومية في السويداء، تحمل صورهن وتطالب بالإفراج عنهن. اليوم، أين هي هذه العائلات التي تطالب بالإفراج عن نسائها المخطوفات؟”.
Levant 24: الإجراءات الحكومية الأخيرة في منطقة الجزيرة (الرقة، دير الزور، والحسكة) قطعت الطريق على دعوات قسد للانفصال والإدارة الذاتية. هل سينعكس ذلك على دعوات مشابهة في السويداء؟ وقد أُفيد بأن حكمت الهجري ومجموعاته المسلحة كانوا يتلقون دعمًا ماليًا وسياسيًا من قسد وحزب العمال الكردستاني. هل سيتغير شيء الآن؟
ليث البلعوس: “إخوتنا الأكراد خسروا فرصة تاريخية للتعاون مع الدولة السورية، لكنهم فضّلوا مشروعًا خارجيًا. الرئيس أحمد الشرع أصدر موقفًا واضحًا أكد فيه أن الحقوق الكردية مُصانة بمرسوم رئاسي. الشعب السوري قدّم الدماء والأرواح دفاعًا عن وحدة الأراضي السورية، وهذا المشروع الانفصالي لقسد انتهى، ومعه انتهت جميع المشاريع الانفصالية الأخرى في البلاد”.
Levant 24: ما رسالتكم لمن يرفض وجود الدولة السورية في السويداء ويدعو إلى الانفصال بعيدًا عن دمشق؟
ليث البلعوس: “هناك دول لا تريد أن ترى سوريا دولة قوية وموحّدة ذات اقتصاد قوي، وتسعى لإبقائها منهكة بالحروب ومن دون دور إقليمي. لكن اليوم، تحظى سوريا بدعم من السعودية وتركيا ودول عديدة حول العالم، وحتى من مجلس الأمن الدولي، لتكون دولة قوية وموحّدة. المشروع الانفصالي وُلد ميتًا، واليوم حتى الرأي العام بات مقتنعًا بأنه انتهى، خاصة بعد ما جرى في شمال شرق سوريا”.

Levant 24: سبق أن تحدثتم مع أحد أعضاء الكونغرس الأميركي حول الوضع في السويداء. إلى أي مدى تدرك الحكومة الأميركية حقيقة ما يجري على الأرض في السويداء؟ وهل هناك جهود لإقامة أو تعزيز قنوات تواصل مع الولايات المتحدة أو دول أخرى للمساعدة في إيجاد حل للوضع الراهن في المحافظة؟
ليث البلعوس: “أجريتُ العديد من الاجتماعات الافتراضية مع أعضاء في الكونغرس الأميركي وسفراء دوليين، كما عقدتُ لقاءً رسميًا مع عضو مجلس النواب الأميركي إبراهيم حماده في دمشق. والدة حماده درزية من السويداء، ووالده سنّي من حماة.
لاحظتُ أن المسؤولين الأميركيين لديهم فهم واضح لحقيقة الوضع في السويداء، كما أن جميع المسؤولين غير السوريين الذين يزورون الشيخ حكمت في منزله في قنوات يطلبون منه التعاون مع الدولة السورية، لوجود قرار دولي واضح يدعم تعزيز وحدة سوريا واستقرارها.
النائب الأميركي إبراهيم حماده تحدّث معي باللغة الإنجليزية، وكان من الواضح أنه متأثر بالروايات الإسرائيلية المفبركة. لكن بعد زيارته إلى دمشق ولقائه بالرئيس أحمد الشرع وعدد من الوزراء والمسؤولين السوريين، شاهد الواقع بنفسه، وغيّر وجهة نظره، وأدرك أن كل ما كان يسمعه سابقًا لم يكن سوى دعاية إعلامية.
وبصراحة، لم يركّز حماده بشكل معمّق على أحداث السويداء، بل تناولها بشكل عام فقط، ولم يتطرق إلى أي حديث عن ممر آمن بين إسرائيل والسويداء أو ما يُسمّى بـ“ممر داوود”. وحتى اليوم، لم أقم بأي زيارات خارج البلاد، وجميع لقاءاتي جرت داخل سوريا. ومع ذلك، إذا كان هناك أي فائدة، فأنا مستعد للقيام بأي شيء لخدمة بلدي وشعبي”.
