
كشفت تحقيقات صحيفة “نيويورك تايمز” كيف نسّقت حكومة بشار الأسد جهداً منظماً لإخفاء أدلة على جرائم حرب، مع تصاعد التدقيق الدولي. ووفقاً للتقرير، اجتمع كبار المسؤولين الأمنيين في خريف عام 2018 في القصر الرئاسي المطل على دمشق لبحث سبل طمس الأدلة المتعلقة بـ المقابر الجماعية، والتعذيب في السجون، ومصير عشرات الآلاف من المختفين قسرياً في عهد النظام السابق.
وقال شخصان حضرا الاجتماع للصحيفة إن كمال حسن، الذي كان يرأس حينها فرع فلسطين في المخابرات السورية، اقترح محو هويات المعتقلين الذين قضوا في السجون السرية. وأضافا أن علي مملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني، وافق على دراسة الفكرة. وبعد أشهر، بدأت فروع أمنية بتعديل أو إتلاف السجلات المرتبطة بحالات الوفاة أثناء الاحتجاز، بحسب وثائق ومقابلات اطّلعت عليها الصحيفة.
الأوراق أصبحت عبئاً
لسنوات، وثّقت أجهزة الاستخبارات السورية بدقة عمليات الاستجواب والوفيات وحتى صور المعتقلين، وهي ممارسة شجّع عليها مستشارون روس وتونسيون في بدايات الحرب، وفق مسؤولين سابقين. لكن تلك الأرشيفات تحولت لاحقاً إلى عبء. ففي كانون الثاني/يناير 2014، جرى تهريب أكثر من 6 آلاف صورة لجثث معتقلين من سوريا على يد مصوّر عسكري عُرف باسم “قيصر”، وقدمت فرنسا الصور لاحقاً إلى مجلس الأمن الدولي.
وعقب التسريب، عقد مسؤولون كبار اجتماعاً للتخطيط للرد، بحسب مذكرة اطّلعت عليها “نيويورك تايمز”. ودعت الوثيقة إلى تجنب التفاصيل، والتشكيك بمصداقية “قيصر”، وإثارة الشكوك حول صحة الصور. وأكدت الصحيفة حصول الاجتماع عبر مسؤولين سابقين في نظام الأسد مطّلعين على النقاشات.
محو الهويات وفبركة الاعترافات
بحلول عام 2019، بدأت فروع أمنية – منها الفرع 248 وفرع فلسطين – بإزالة الأرقام التعريفية عن الجثث التي تُنقل إلى المشافي العسكرية في دمشق، وفق موظفين في المشافي ووثائق داخلية. كما أظهرت مذكرات موسومة بـ”سري للغاية” نقاشات حول ما إذا كان ينبغي تسجيل وفيات المعتقلين في السجل المدني. وحذّر اللواء محمد كنجو الحسن من مخاطر إبلاغ العائلات، بحسب الوثائق.
وفي عام 2020، أمر مملوك الأجهزة الأمنية بفبركة اعترافات لمعتقلين توفوا أثناء الاحتجاز، مع إرجاع تواريخها إلى الوراء لتوفير غطاء قانوني، وفق مسؤولين سابقين. واطّلعت الصحيفة على نسخ من تلك الاعترافات، وقال ضباط سابقون إنها مزوّرة.
مقابر جماعية وشهادات
يوثّق التحقيق أيضاً عمليات دفن جماعي أشرف عليها العميد مازن إسمندر في محيط دمشق. وقال زملاء سابقون للصحيفة إنه نظّم فرقاً لنقل الجثث من المشافي العسكرية إلى المقابر. وعندما كُشف عن مقبرة قرب القطيفة عام 2019، أمر إسمندر بنقل الرفات إلى موقع صحراوي شمال شرق العاصمة، وفق شهود. وكانت رويترز قد نشرت أول تقرير عن عملية النقل في تشرين الأول/أكتوبر.
وقال أحمد غزال، وهو ميكانيكي كان يشرف على صيانة الشاحنات المستخدمة في العملية، للصحيفة: “كان هناك مدنيون، وأشخاص بملابس عسكرية، وشيوخ بلحى بيضاء، وأشخاص عراة”.
المساءلة والفقدان غير المحسوم
خلال حكم الأسد، فُقد قسرياً أكثر من 100 ألف شخص، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة. ورغم إفلات كبار المسؤولين إلى حد كبير من المحاسبة، حكمت محاكم ألمانية بالسجن المؤبد على مسؤولين اثنين من الرتب الدنيا، فيما أصدر قضاة فرنسيون عام 2023 مذكرات توقيف بحق مملوك والأسد وآخرين.
وبالنسبة للعائلات، يبقى غياب الإجابات مدمّراً. قال عبد الهادي العلي، الذي اختفى شقيقه عام 2013: “كيف يمكنني أن أجد السلام؟” وأضاف: “أين أخذوه؟ كيف قتلوه؟ هذه الأسئلة ما زالت تطاردني”.
ويخلص تقرير “نيويورك تايمز” إلى أنه، رغم سنوات التستر، فإن سجلات النظام نفسه وشهادات الشهود كشفت في النهاية حجم الجرائم، لتبقى المساءلة غير مكتملة لكنها لم تعد قابلة للتجاهل.
