
سلّط تقرير استقصائي حديث باللغة الألمانية نشره موقع CRISIS الضوء مجددًا على ظاهرة تجنيد الأطفال المستمرة في سوريا على يد جماعات مسلحة تقودها قوى كردية، من بينها حزب العمال الكردستاني (PKK) وفصائله السورية المنضوية ضمن قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
التقرير، الذي صُوِّر في شباط 2025، يوثّق قاعدة سرية تحت الأرض تستخدمها وحدات حماية المرأة (YPJ) قرب سد تشرين المتنازع عليه على نهر الفرات.
وتبدو العديد من النساء الظاهرات في التقرير في سن المراهقة، وقد تم التأكد من أن إحداهن تبلغ من العمر 17 عامًا. وفي أحاديث خاصة، قالت بعض المشاركات إنهن ضمن هذه الوحدات منذ ست إلى عشر سنوات، ما يرجّح أن تجنيدهن تم وهنّ قاصرات. وعند سؤال القيادات عن أعمارهن، امتنعت عن الرد، بينما كان مسؤول إعلامي تابع لقسد يراقب المقابلات.
نمط تؤكده تقارير حقوقية
تتطابق هذه المشاهد مع نتائج موسّعة لمنظمات مثل هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة وجهات رقابية أخرى. ففي تقرير صدر في تشرين الأول 2024، قالت هيومن رايتس ووتش إن حركة “الشبيبة الثورية” في سوريا جنّدت فتيانًا وفتيات لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا، وانتزعتهم من عائلاتهم، وعرّضتهم لتلقين أيديولوجي قبل نقل كثير منهم -وخاصة الفتيات- إلى جماعات مسلحة مرتبطة بقسد.
وقال آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريفيا في هيومن رايتس ووتش، إن هذه الممارسات تعرّض الأطفال لأذى بالغ. وأضاف:
“الانخراط الصريح لجماعات مثل حركة الشبيبة الثورية، واستمرار حالات تجنيد الأطفال عامًا بعد عام، يؤكد فشلًا خطيرًا”.
ووفق تقرير صادر عن الحكومة البريطانية في كانون الثاني، فإن بيانات الأمم المتحدة تدعم هذه المخاوف؛ إذ وثّق الأمين العام للأمم المتحدة 231 حالة تجنيد أطفال على يد “قسد” وجماعات تابعة لها خلال عام 2023. كما سجّلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 672 حالة تجنيد قاصرين من قبل وحدات حماية الشعب و”قسد” بين تموز 2012 وحزيران 2024، مشيرة إلى أن هذه الممارسة الممنهجة توسّعت مع ترسيخ “قسد” سيطرتها على شمال شرق سوريا.
خطاب الحقوق مقابل الواقع المعيشي
لطالما قدّمت “قسد” و”PKK” نفسيهما كمدافعين عن حقوق المرأة والحكم الذاتي الكردي، وغالبًا ما تُبرز المقاتلات كرموز للتمكين. غير أن تقييمات دولية متعددة تشكك في هذه الرواية.
فقد خلص تقرير صادر في كانون الأول 2025 عن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن الأكراد هم الفئة الأكثر تعرضًا للتجنيد القسري، في حين يواجه المسيحيون مخاطر أقل بكثير. واعتبر التقرير أن التجنيد القسري وتجنيد الأطفال من قبل “قسد” و”YPG” يرقى إلى مستوى الاضطهاد بموجب القانون الدولي. وأشار إلى أن غالبية العائلات المتضررة هي من الأكراد السنّة، ما يثير تساؤلات حول تطبيق انتقائي للقوانين واحتمال وجود تحيز ديني.
وأفادت عائلات قابلتها هيومن رايتس ووتش بأن أطفالهم اختفوا بعد خروجهم من المدارس أو من أنشطة ثقافية مرتبطة بمراكز شبابية، وقال كثيرون إن مكاتب “قسد” أو الإدارة الذاتية رفضت تسجيل شكاواهم أو التدخل.
ضحية في حلب تبرز الأثر المستمر
لا تقتصر القضية على تقارير سابقة. فقد لفت الباحث غريغوري ووترز الانتباه إلى حالة حديثة مرتبطة بالاشتباكات في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية في حلب. وذكر ووترز أن فتاة تبلغ 14 عامًا، تُدعى أمارة محمود، جرى تجنيدها أو اختطافها قبل أقل من عام، ثم قُتلت لاحقًا في المعارك.
وبحسب ووترز، أُخذت “أمارة” بدايةً إلى صفوف قوى الأمن الداخلي “الأسايش” التابعة لقسد من منزلها في عين العرب “كوباني” قبل إرسالها إلى الشيخ مقصود. كما نشر موقع “روداو” الكردي مقطع فيديو يحتفي بمقتلها، تضمن لقطات تطلب فيها أمارة من عائلتها عدم البحث عنها. وقال ووترز إن الفيديو والظروف المحيطة بالقضية تشير إلى تورط قيادات في “الأسايش” بعمليات تجنيد أطفال.
القانون والمسؤولية والدعم الخارجي
يُعد تجنيد الأطفال دون سن 15 انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني وجريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما يحظر البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل على الجماعات المسلحة غير الحكومية تجنيد أي شخص دون 18 عامًا.
وكانت قسد قد وقّعت عام 2019 خطة عمل مع الأمم المتحدة لإنهاء تجنيد الأطفال وأنشأت مكاتب لحمايتهم. ورغم تسريح مئات الأطفال في السنوات اللاحقة، تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن التجنيد استمر وازداد بشكل حاد في عام 2022 مع تراجع الإجراءات التصحيحية. وكما يبيّن التحقيق الألماني وحادثة حلب الأخيرة، ما يزال التناقض قائمًا بين الشعارات الديمقراطية المعلنة والواقع الذي يعيشه الأطفال الأكراد على الأرض دون حل.
