
في تصريح حديث لوزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، قدّم تقييماً استراتيجياً لمستقبل الشرق الأوسط بعد ما وصفه بـ”تراجع محور إيران الإقليمي”. ويضع غالانت سوريا في قلب تحليله، ليس كقضية سياسية داخلية، بل كساحة جيوسياسية رئيسية تتشكل فيها المرحلة المقبلة من التنافس الإقليمي.
يرى غالانت أن سقوط نظام الأسد يمثل نتيجة حاسمة لضغوط طويلة استهدفت إيران وشبكة حلفائها. وبحسب رؤيته، فإن البنية الإقليمية التي بنتها طهران -عبر الميليشيات والبنية الصاروخية وعمقها الاستراتيجي- تعرضت لاضطراب شديد. وسوريا، التي كانت حجر الأساس لتمدد إيران غرباً نحو لبنان وإسرائيل، أصبحت اليوم -وفق وصفه- ساحة فراغ استراتيجي.
فراغات الشرق الأوسط “نادراً ما تبقى فارغة”
يعتقد غالانت أن تركيا هي الطرف الأكثر استعداداً لملء المساحة التي تراجعت عنها إيران داخل سوريا. ويصف الحضور التركي بأنه تحرك محسوب واستراتيجي، وليس مؤقتاً أو ارتجالياً.
فمنذ انهيار نظام الأسد، كثّفت أنقرة انخراطها عبر:
• دعم السلطات الانتقالية السورية.
• تعزيز وجودها العسكري والاستخباراتي.
• وترسيخ مواقع نفوذ في شمال سوريا.
ويشير إلى استمرار سيطرة القوات التركية على مناطق شمالية، مع توسع نشاط الفصائل المدعومة من أنقرة، إضافة إلى نشر قدرات استخباراتية ودفاع جوي بهدف خلق ما يسميه “عمقاً استراتيجياً”. كما يدّعي أن النفوذ التركي بات يمتد باتجاه محيط دمشق، ما يجعل نطاق نشاط أنقرة أقرب جغرافياً إلى الحدود الإسرائيلية من أي وقت سابق.
اللعبة نفسها… لكن بلاعبين جدد
لا يركّز غالانت على التحول السياسي الداخلي في سوريا أو تحديات الحكم وإعادة الإعمار، بل يتعامل مع البلاد باعتبارها ساحة تنافس استراتيجي. فالسؤال الأساسي لديه ليس كيف ستُبنى سوريا، بل من سيحدد ميزان القوى داخلها.
ويقارن بين نموذج النفوذ الإيراني -الذي يصفه بأنه قائم على الوكلاء ومزعزع للاستقرار- والنموذج التركي الذي يراه قائماً على الدولة ومندمجاً مؤسساتياً في المنظومة الغربية عبر عضوية حلف الناتو.
وبحسب تحليله، فإن هذا الفارق جوهري: فتركيا ليست دولة معزولة، بل عضو في الناتو وتملك شرعية دبلوماسية وقدرات عسكرية متقدمة، ما يجعل توسعها في سوريا أكثر استدامة على المدى الطويل.
تحذير مع هامش للتقارب
ورغم ذلك، لا يصوّر غالانت النفوذ التركي باعتباره تهديداً مباشراً بالضرورة. إذ يذكّر بفترات التعاون الاستراتيجي السابقة بين إسرائيل وتركيا، ملمّحاً إلى إمكانية إعادة الانخراط بين الطرفين. لكنه يضع خطاً أحمر واضحاً: كلما اقتربت القوات المدعومة من تركيا من حدود إسرائيل، تتغير الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
سوريا كساحة اختبار للنظام الإقليمي الجديد
وفق رؤية غالانت، أصبحت سوريا ميدان اختبار لمرحلة انتقالية أوسع في الشرق الأوسط. فبينما يعتبر تراجع النفوذ الإيراني إنجازاً استراتيجياً، يحذّر من أن القوة التي ستملأ هذا الفراغ هي التي ستحدد شكل النظام الإقليمي للجيل القادم.
وبذلك، لم تعد سوريا دولة هامشية في المعادلة الإقليمية، بل مركزها الأساسي. فمرحلة ما بعد الأسد قد تكون أنهت محور نفوذ معين، لكنها فتحت بالفعل باب صراع جديد على مستقبل البلاد.
