
مع تقدم خطط إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، يولي صانعو القرار في سوريا اهتماماً متجدداً بقطاع الطاقة، حيث يبرز الصخر الزيتي كأحد الموارد طويلة الأمد المحتملة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
الصخر الزيتي، وهو صخر رسوبي يطلق النفط السائل والغاز عند تسخينه، يُعد من أكبر الأصول غير التقليدية للطاقة في البلاد. وتقدّر الاحتياطيات في سوريا بأكثر من 40 مليار طن، أي ما يعادل نحو 20 مليار برميل نفط.
وتقع أكبر المكامن المعروفة في منطقة خناصر بريف حلب، حيث تُقدّر الاحتياطيات بنحو 38.8 مليار طن. ويُعد الموقع، نظراً لتوسطه واتصاله بشبكات الكهرباء القائمة في حلب وحماة والرقة ودير الزور، مرشحاً قوياً لمشاريع توليد الطاقة على نطاق واسع.
ويقول مسؤولون ومحللون إن المنطقة يمكن أن تدعم إنتاجاً كهربائياً يصل إلى 600 ميغاواط، ما يعزز أهميتها الاستراتيجية. كما توجد احتياطيات أصغر في وادي اليرموك في درعا، وكذلك في الجبال الساحلية، وسلسلة تدمر، والبادية السورية.
ارتفاع الأسعار يحسن الجدوى الاقتصادية للمشاريع
قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن الصخر الزيتي يمكن أن يكون بديلاً عن الغاز أو الديزل في محطات توليد الكهرباء، مما يقلل الضغط على إمدادات الوقود التقليدية ويتيح استخدام الغاز الطبيعي في الصناعة أو التصدير. وأضاف أن الجدوى الاقتصادية للموارد تحسنت مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً واستمرار تقلبات أسواق الطاقة الإقليمية. وإذا بقيت كلفة الاستخراج بين 50 و60 دولاراً للبرميل، فإن الاستثمار في مشاريع الصخر الزيتي يصبح أكثر واقعية.
وبالإضافة إلى إنتاج الوقود، يوفر الصخر الزيتي استخدامات صناعية أيضاً، إذ يمكن للمنتجات الثانوية المعالجة أن تدخل في تصنيع السيراميك والإسمنت والأسمدة والحبيبات البلاستيكية، كما يمكن استخدام بعض المواد لتحسين التربة ودعم الزراعة.
وتواصل التجارب الدولية التأثير على النقاش، حيث تعتمد إستونيا منذ فترة طويلة على الصخر الزيتي لتوليد جزء كبير من كهربائها، بينما تستخدمه الأردن ضمن مزيجها الطاقي عبر مشروع العطارات.
التكنولوجيا قد تخفف المخاطر البيئية
رغم إمكاناته، يواجه القطاع تحديات بيئية وتقنية كبيرة. إذ يتطلب استخراج الصخر الزيتي كميات كبيرة من المياه، كما يخلف عمليات معالجة تنتج كميات ضخمة من الصخور المستهلكة، ما يثير تساؤلات حول الاستدامة، خاصة في المناطق التي تعاني من شح المياه.
ومع ذلك، قد تساعد التقنيات الحديثة في تقليل بعض هذه المخاطر. فقد طورت شركات مثل “شل” أساليب التسخين في الموقع (In-situ) التي تسمح بالاستخراج تحت الأرض دون الحاجة إلى الحفر الواسع، مما يقلل الأثر البيئي. كما يمكن استخدام تقنيات مثل الحواجز التجميدية لمنع تلوث المياه الجوفية.
شروط الاستثمار عامل حاسم
يؤكد خبراء أن نجاح أي مشروع للصخر الزيتي في سوريا يعتمد ليس فقط على حجم الاحتياطيات والتكنولوجيا، بل أيضاً على صياغة عقود استثمار دقيقة، مع التركيز على تكاليف الإنتاج وأسعار شراء الكهرباء وآليات تقاسم المخاطر مع المستثمرين، لتجنب أعباء مالية كبيرة مستقبلاً.
ومع استمرار اضطرابات الإمدادات العالمية وتقلب أسعار الطاقة، يرى الخببر الاقتصادي حسام عايش أن تعزيز أمن الطاقة أصبح ضرورة اقتصادية، ما يجعل الصخر الزيتي مورداً ستنظر فيه سوريا بشكل متزايد في المرحلة المقبلة.
