
تحرز السلطات السورية بالإضافة إلى محققين مستقلين تقدماً تدريجياً في واحد من أكثر الملفات إيلاماً في مرحلة ما بعد الصراع: الكشف عن مصير آلاف الأشخاص المفقودين، بمن فيهم الأطفال الذين فُصلوا عن ذويهم المعتقلين والمخفيين قسراً. وأفادت لجنة متخصصة تتابع حالات الأطفال الذين نُقلوا من الفروع الأمنية إلى دور الرعاية الحكومية أنها وثقت 314 حالة من هذا القبيل، وفقاً لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
ومن بين هؤلاء، صرح مسؤولون بأنه تم تحديد هوية 194 طفلاً ولمّ شملهم مع عائلاتهم. وقالت وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، إن اللجنة تراجع أيضاً 612 حالة تتعلق بأطفال ملحقين بعائلات أخرى بموجب القانون السوري، بينما يعمل المحققون للتأكد من عدم فصل أي منهم بشكل غير قانوني خلال سنوات الحرب. وتغطي المراجعة الحالية الملفات من عام 2011 حتى 2015، مع استمرار العمل على السنوات اللاحقة.
ويقول المحققون إن الجهود تواجه عقبات رئيسية، تشمل الهويات المزورة، السجلات التالفة، والممارسات التوثيقية المتضاربة الموروثة عن مؤسسات عهد الأسد. وفي يناير الماضي، صرحت اللجنة أن النتائج الأولية أشارت إلى محاولات ممنهجة في ظل نظام الأسد لمحو هويات الأطفال المولودين لمعتقلين أو مخفيين قسراً.
وتضم اللجنة، التي انطلقت في يوليو 2025، ممثلين عن وزارات متعددة، ومجموعات من المجتمع المدني، وعائلات الضحايا. ويقول مسؤولون إن العائلات تشارك الآن بشكل مباشر في فرق الدعم، والخطوط الساخنة، واجتماعات متابعة الحالات.
الهيئة الوطنية لا تزال في طور بناء قدراتها
لا يزال ملف المفقودين الأوسع نطاقاً أكبر وأكثر تعقيداً بكثير. فالهيئة الوطنية للمفقودين، التي تأسست بموجب مرسوم في 17 مايو 2025، لا تزال تعمل على بناء طاقمها الدائم وإطارها العملياتي بعد مرور عام تقريباً على تأسيسها.
ووفقاً لموقع “جاستيس إنفو” (Justice Info)، لا تزال الهيئة تعتمد بشكل كبير على مجلس استشاري يتألف من معتقلين سابقين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء في الطب الشرعي والقانون، وأخصائيين في الصحة النفسية، وخبراء توثيق.
وصف شادي هارون، المنسق في “المركز الدولي للعدالة الانتقالية” بدمشق، أزمة المفقودين في سوريا بأنها “أعقد قضية مفقودين في التاريخ الحديث”، مستشهداً بتداخل سلاسل القيادة، وتعدد الأطراف المسلحة، والمقابر الجماعية التي أنشأتها قوى مختلفة في المناطق ذاتها.
ومع ذلك، لا تزال ولاية الهيئة غير واضحة؛ فبينما يضمن مرسوم تأسيسها استقلاليتها، فإنه لا يحدد بدقة ما إذا كانت تغطي فقط حالات الاختفاء التي سبقت سقوط حكومة الأسد في أواخر عام 2024، أم تشمل جميع حالات الاختفاء غير المحسومة في كافة أنحاء سوريا.
هذا الغموض يعقد التنسيق مع الوزارات، والمجتمعات المحلية، والمنظمات الدولية، حتى في الوقت الذي توقع فيه الهيئة اتفاقيات تعاون مع هيئات تشمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP)، ومجموعات التوثيق السورية.
العائلات تنشد الإجابات وسط التأخير
يواصل أقارب المفقودين حضور الاجتماعات وتقديم الشهادات والبحث عن قنوات إبلاغ موثوقة، إلا أن المشكلات اللوجستية ومشكلات التواصل تبطئ وتيرة هذا الانخراط. ويشير تقرير “جاستيس إنفو” إلى أن بعض أرقام الاتصال التي نشرتها الهيئة كانت خاطئة أو تغيرت بين الإعلانات العامة، مما يثير إحباط العائلات التي تعاني أصلاً من سنوات من عدم اليقين.
تقول “آية”، التي اختفى شقيقها في دير الزور بعد اختطافه من قبل تنظيم داعش، للموقع إن عائلتها اتصلت في البداية برقم خاطئ، وأُبلغت لاحقاً بأنه لا يمكن استقبال التقارير عبر تلك القناة. ورغم هذه النكسات، أكدت أن عائلتها ستواصل المحاولة لأنه “ليس لدينا خيار آخر”.
ويدرس المسؤولون إنشاء مجلس استشاري رسمي للعائلات ومنصة إبلاغ رقمية لتسهيل العملية، رغم أن الضائقة الاقتصادية وتكاليف النقل لا تزال تمنع الكثير من العائلات من حضور الاجتماعات الحضورية.
المقابر الجماعية تزيد من التحديات الجنائية
بالإضافة إلى التوثيق، يتجه البحث عن إجابات بشكل متزايد نحو مواقع المقابر الجماعية المنتشرة في سوريا. ويقول سكان في مناطق مثل “حي التضامن” جنوب دمشق إن الرفات البشرية لا تزال تظهر أثناء أعمال إعادة الإعمار. وأفاد العديد من السكان لموقع “جاستيس إنفو” بالعثور على عظام وجماجم تحت الأبنية المدمرة والمنتزهات ومواقع الميليشيات السابقة.
ويؤكد محققون وخبراء في العدالة الانتقالية أن استخراج الجثث من هذه المواقع يتطلب أخصائيين في الطب الشرعي، وإجراءات قانونية لحفظ الأدلة، ودعماً تقنياً دولياً لا تزال سوريا تفتقر إليه. وقال هارون إن الأولوية الفورية الآن هي رسم خرائط للمواقع المشتبه بها وحمايتها قبل أن تضيع الأدلة بسبب إعادة الإعمار أو الترميم أو الإهمال.
بدأت الهيئة الوطنية بتبادل الخرائط مع المنظمات الدولية التي وثقت سابقاً مواقع المقابر، بينما تجمع أيضاً شهادات محلية في شمال وشمال شرق سوريا. ورغم هذه الخطوات، تضغط العائلات من أجل اتخاذ إجراءات أسرع. ففي حي التضامن، قال أب فقد ولدين قبل 13 عاماً خلال الاشتباكات في الحي لـ “جاستيس إنفو” إنه يريد رفات أبنائه والمحاسبة في آن واحد.
لا تزال سوريا تكافح ليس فقط لتحديد هوية من اختفوا، بل لتحديد أماكنهم، وكيفية وفاتهم، وما إذا كانت عملية العدالة التي لا تزال هشّة قادرة على تقديم إجابات موثوقة، ومحاسبة، وعدالة لعائلات وأحباء آلاف الضحايا.
