
في جنوب سوريا، أمضى سكان القنيطرة والمناطق المجاورة لياليهم وهم يراقبون السماء وهي تومض باعتراضات الصواريخ، تتلوها أصوات الانفجارات بعد ثوانٍ. تسقط الشظايا في الأراضي الزراعية قرب المنازل، كتذكير بأن سوريا، حتى عندما لا تكون الهدف المباشر، تبقى متأثرة بالحرب المستمرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة.
هذه المسافة غير المريحة أصبحت سمة الواقع السوري. ولأول مرة منذ أكثر من عقد من الاضطرابات الإقليمية، نجت سوريا من أن تكون ساحة قتال رئيسية. ومع ذلك، فإن الجغرافيا والبنية التحتية الهشة وتداعيات 14 عاماً من الحرب والثورة تجعل البلاد عرضة بشدة لارتدادات هذا الصراع سياسياً واقتصادياً وإنسانياً. الخطر الأكبر لا يكمن في الدخول المباشر في الحرب، بل في التصعيد غير المقصود عبر هجمات بالوكالة، أو استفزازات عبر الحدود، أو أخطاء حسابية مع استمرار مرور الصواريخ والطائرات المسيّرة في الأجواء السورية.
سياسة الابتعاد تحت الضغط
اعتمدت القيادة السورية الحالية سياسة واضحة تقوم على تجنب الانخراط في الصراع. وفي خطابه بمناسبة عيد الفطر الشهر الماضي، قال الرئيس أحمد الشرع إن سوريا انتقلت من كونها “ساحة صراع” إلى دور أكثر استقراراً وتعاوناً في المنطقة، مؤكداً أن البلاد تحافظ على علاقات قوية مع الدول المجاورة مع اتباع نهج حذر لتجنب الانجرار إلى النزاعات الأوسع.
ووصف الباحث السياسي والمحلل الاستراتيجي مصطفى النعيمي نهج دمشق بأنه “حياد إيجابي”، وقال لـ Levant 24 إن “عزل الساحة السورية هدف واضح لسوريا الجديدة الناشئة”.
هذا الحياد خفّض، حتى الآن، احتمالات تحول سوريا إلى جبهة رسمية. فقد تم تشديد الرقابة على الحدود مع العراق ولبنان، وتواصل السلطات الحد من استخدام الأراضي السورية كمنصة إطلاق من قبل جماعات مرتبطة بإيران. لكن كما أشار تحليل في “The New Arab”، فإن هذه السياسة “قد تقلل المخاطر لكنها لا تحمي البلاد من الضربات أو من الانخراط غير المباشر”.
وكتب الدكتور حايد حايد أن المفارقة واضحة: سوريا أصبحت أكثر انعزالاً من السابق، “لكنها في الوقت نفسه أكثر انكشافاً بأشكال مختلفة”. والسؤال لم يعد ما إذا كانت ستدخل الحرب مباشرة، بل كيف ستدير الضغوط الناتجة عن بقائها في ظلها.
الوكلاء والاستفزازات
تشير الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مواقع عسكرية في الحسكة ومحيط التنف، والتي نُسبت على نطاق واسع إلى ميليشيات مرتبطة بإيران في العراق، إلى مدى سهولة تحوّل سوريا إلى ساحة رسائل في المواجهة الأوسع. ورغم أن هذه الهجمات بقيت محدودة وأحدثت أضراراً مادية في الغالب، إلا أن دلالتها الاستراتيجية أكبر من تأثيرها المباشر.
وقال الناشط السياسي والاجتماعي السوري ماجد عبد النور لـ Levant 24 إن “الصواريخ الإيرانية تُطلق في كل اتجاه، والطائرات الحربية تنتهك الأجواء السورية، والصواريخ الإسرائيلية تضرب الأراضي السورية والعراقية”، محذراً من أن “كل ذلك ستكون له تداعيات أمنية على المنطقة”. وأضاف أن شبكة إيران من الميليشيات في العراق ولبنان يمكن أن تُفعّل “في أي لحظة لزعزعة أمن سوريا”، خاصة إذا سعت طهران إلى ساحات ضغط بديلة.

سيناريوهات التصعيد وتكاليف الحرب
تطرح عدة سيناريوهات للتصعيد، كما ورد في معهد سياسة الشرق الأوسط، حول كيفية تطور الوضع، بما في ذلك توسع العمليات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، أو زيادة الضغط الأمريكي على دمشق، أو استمرار أنشطة حزب الله عبر الحدود بما يجبر السلطات السورية على إعادة تقييم موقفها.
وتشمل المخاطر الأخرى أطرافاً غير حكومية. إذ إن عودة نشاط تنظيم داعش، ربما نتيجة إعادة توجيه الموارد العسكرية الأمريكية في أجزاء أخرى من المنطقة، قد تفتح جبهة أمنية موازية داخل سوريا. كما أن تقارير عن عدة محاولات اغتيال فاشلة استهدفت الرئيس أحمد الشرع خلال عام 2025 تسلط الضوء على هشاشة المرحلة الانتقالية الحالية واحتمال عدم الاستقرار الداخلي.
تكاليف الحرب
بالنسبة لمعظم السوريين، سيكون التأثير الأول على مستوى الأسواق. أي اضطراب مستمر في منطقة مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود في بلد يعتمد أساساً على مصادر طاقة خارجية. ارتفاع تكاليف الديزل ينعكس مباشرة على النقل والخبز وتوزيع الغذاء وتوليد الكهرباء.
وقال الناشط ماجد عبد النور إن “لا شك أن أي حرب ستكون لها تداعيات عالمية، فكيف إذا كانت حرباً إقليمية مترابطة مثل ما يحدث في الشرق الأوسط”، مشيراً بشكل خاص إلى “إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، واحتمال هروب الاستثمارات من دول الخليج”.
وبحسب منظمة (ACAPS) المستقلة لتحليل البيانات الإنسانية، فقد ارتفعت أسعار النفط الخام عالمياً بنحو 50% منذ منتصف مارس. وفي سوريا، تشير تقارير محلية إلى أن الطلب على الوقود ارتفع بأكثر من 300% فوق المعدلات اليومية، بينما تضاعفت أسعار بعض أنواع البنزين المستورد.

العبء الإنساني لدولة تحاول التعافي
أشار الناشط ماجد عبد النور أيضاً إلى نقطة ضعف أقل وضوحاً: سلاسل الإمداد الصناعية. وقال: “النقص واضطراب سلاسل التوريد لا يتعلقان بالغذاء فقط، بل حتى قطع الغيار قد تتأثر”.
هذه التفاصيل مهمة لأن تعافي سوريا لا يزال يعتمد بشكل كبير على إصلاحات جزئية، ومعدات مستوردة، وتجارة محلية هشة. فأي تأخير في شحنة قطع غيار للمركبات أو المعدات الطبية أو الآلات الزراعية يمكن أن يمتد أثره إلى خسائر في الدخل وتراجع في الخدمات.
ضغط إنساني على بلد متعافٍ جزئياً
قد تكون التداعيات الإنسانية بنفس درجة الخطورة. فحدوث موجات نزوح جديدة من لبنان، وربما من العراق، سيضع ضغطاً فورياً على بلد يستضيف بالفعل ملايين النازحين داخلياً، ويعتمد على شبكات مساعدات تعاني من تراجع التمويل الدولي.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، دخل نحو 277 ألف شخص إلى سوريا من لبنان بين 2 مارس و12 أبريل، من بينهم حوالي 234 ألف سوري عائد و43 ألف مواطن لبناني. وأفاد أكثر من 67 ألفاً من السوريين بأنهم ينوون العودة بشكل دائم، ما يزيد الضغط على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ولا يقتصر الأمر على السكن فقط، فالقادمين الجدد يزيدون الطلب على الرعاية الصحية، وتوزيع الغذاء، والتعليم، والإسكان في مناطق تعاني أصلاً من هشاشة شديدة. كما أن التنافس على الموارد المحدودة قد يرفع التوترات المحلية، خصوصاً في مجتمعات لا تزال تتعافى من سنوات طويلة من الدمار على خطوط المواجهة.
بين الأزمة والفرصة
ورغم ذلك، فإن الصراع نفسه الذي يكشف هشاشة سوريا قد يفتح نافذة اقتصادية ضيقة. فمع تعطل طرق الشحن عبر هرمز والبحر الأحمر، تعود أهمية الموقع الجغرافي لسوريا كممر بري يربط أسواق الخليج بتركيا وأوروبا.
ويجري الحديث بالفعل عن مشاريع لإحياء وتوسيع البنية التحتية للطاقة والنقل، من بينها إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس بطول 800 كيلومتر وبطاقة 300 ألف برميل يومياً، بكلفة تقديرية تبلغ 4.5 مليارات دولار. كما طرحت مقترحات عراقية لإنشاء خطوط أنابيب جديدة قادرة على نقل ما يصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً إلى الساحل السوري على المتوسط، بينما وصلت بالفعل مئات الشاحنات إلى مصب بانياس النفطي منذ بداية أبريل.
وبالتوازي، طُرحت خطط لنقل الغاز القطري عبر سوريا وتركيا إلى أوروبا عبر مسار يتراوح بين 1500 و1900 كيلومتر، إضافة إلى إعادة تشغيل نحو 350 كيلومتراً من السكك الحديدية بين سوريا وتركيا، ودفع مشروع “البحار الأربعة” الذي يهدف لربط أسواق الخليج بالمتوسط عبر الأراضي السورية.

قال عبد النور إن الصورة المتوسطة والطويلة الأمد قد تتضمن “فرص استثمارية لسوريا كمركز لوجستي لتمرير الإمدادات من أوروبا إلى الخليج”، وصولاً حتى مشاريع خطوط أنابيب نفط وغاز مستقبلية من العراق ودول الخليج. كما تشير تقارير الدكتور حايد إلى الاتجاه نفسه، مع إبراز إعادة فتح بعض المعابر مع العراق وتزايد الاهتمام بسوريا كممر عبور نحو موانئ المتوسط.
لكن هذا المسار المحتمل يعتمد بشكل كامل على الاستقرار، ووجود إدارة حوكمة موثوقة، وبنية تحتية قادرة على العمل. وبدون هذه الشروط، قد تبقى فكرة “الجسر البري” لسوريا ميزة نظرية أكثر منها مساراً فعلياً للتعافي المستدام.
حتى الآن، تبقى سوريا في قلب منطقة ملتهبة تمتص تداعيات حرب تصل آثارها عبر محطات الوقود والمعابر الحدودية وتساقط الشظايا، مع احتمال دائم لاندلاع استفزازات أو تصعيد غير محسوب. والتحدي الأساسي هو الحفاظ على هذه المسافة ومنعها من التحول إلى انخراط مباشر في الصراع.
