
في بساتين الساحل السوري، لا تنتهي مشكلة الحمضيات عند وفرة الإنتاج، بل تبدأ منها. ففي كل عام تُحصد آلاف الأطنان من البرتقال والليمون، لكن جزءاً كبيراً منها لا يصل إلى المستهلكين. يواجه المزارعون خيارين صعبين: البيع بخسارة أو ترك المحاصيل لتتعفن. خلال مواسم الذروة، يصل الإنتاج إلى نحو 800 ألف طن، لكن نظام التسويق غير قادر على استيعاب الفائض. ونتيجة لذلك، تتحول المحاصيل التي يُفترض أن تكون مربحة إلى عبء مالي لأكثر من 27 ألف عائلة تعتمد بشكل مباشر على زراعة الحمضيات.
قدرة صناعية محدودة
تُظهر بيانات وزارة الزراعة بين عامي 2020 و2023 أن معظم إنتاج الحمضيات يتركز في اللاذقية وطرطوس. ورغم قوة الإنتاج، يبقى القطاع هشاً أمام التغيرات المناخية وارتفاع التكاليف. ويشير خبراء إلى أن سياسات سابقة قيّدت نمو الصناعة، ما حدّ من تطوير منشآت التصنيع. كما أن محاولات التوسع واجهت عوائق تنظيمية واحتكارات سوقية قلّصت المنافسة وضيّقت خيارات المزارعين.
وقال عبد الرزاق السالم، مدير الصناعة في محافظة اللاذقية، لصحيفة الثورة إن القطاع يعتمد بشكل كبير على بيع الفاكهة الطازجة، بينما تبقى المنتجات المصنعة مثل العصائر والمركزات محدودة. ولا يعمل في المنطقة سوى أربعة مصانع فقط، وهو عدد غير كافٍ لاستيعاب الإنتاج في ذروة الموسم، ما يؤدي إلى الهدر وانخفاض الأسعار.
المزارعون تحت الضغط
يصف المزارعون تزايد الضغوط المالية. وأوضح أحمد شحرور، وهو مزارع من اللاذقية، أن ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود والنقل قلّص الأرباح. وأضاف أن نقص منشآت التصنيع يجبر المزارعين على الاعتماد على أسواق الجملة والوسطاء، وغالباً بأسعار لا تغطي التكاليف. بعض المزارعين بدأوا باقتلاع أشجار الحمضيات بعد تكرار الخسائر، رغم أن البستان الواحد يمكن أن يعيل عدة عائلات.
وفي طرطوس، قال المزارع قصي سليمان إن تأخر وصول التجار وعدم استقرار الأسعار يزيدان من صعوبة الوضع. وأشار إلى أن الاستمرار في الزراعة أصبح يعتمد أكثر على القدرة على تحمل المخاطر وليس على الإنتاجية. كما أن غياب مراكز التجميع الثابتة يترك المزارعين عرضة لتقلبات السوق وتحكم الوسطاء.
فجوات التصدير وفقدان القيمة
قال الاقتصادي علي محمد لصحيفة الثورة إن سوريا تصدر بين 80 و90 ألف طن من الحمضيات سنوياً، أي ما يعادل نحو 10% من الإنتاج الكلي. وتتركز معظم الصادرات على الفاكهة الخام، ما يحد من القيمة المضافة. ورغم ارتفاع الأسعار المحلية، فإن ارتفاع تكاليف الإنتاج يقلل القدرة التنافسية في الأسواق العالمية، في حين تبقى أسعار العصائر عالمياً منخفضة نسبياً، ما يضيّق هوامش الربح.
وأضافت ميس شحادة، رئيسة دائرة الاقتصاد الزراعي، أن توسيع إنتاج المنتجات المصنعة من الحمضيات يمكن أن يوفر دخلاً أكثر استقراراً للمزارعين. لكنها أشارت إلى أن ذلك يتطلب إصلاحات أوسع في أنظمة التصدير التي تعتمد حالياً على عدد محدود من الأسواق، أبرزها العراق وروسيا ودول الخليج.
نحو قطاع حمضيات أكثر استدامة
يكشف الفارق بين ارتفاع الإنتاج وضعف القدرة التصديرية عن تحدٍ بنيوي واضح. ومعالجته تتطلب استثمارات في الصناعات التحويلية وتطوير أنظمة تسويق أكثر كفاءة. ومن دون هذه التغييرات، سيستمر فائض الإنتاج في الضغط على المزارعين وتقليص الجدوى الاقتصادية للقطاع.
