
كانت سوريا في السابق محور أكبر أزمة لجوء في العالم، لكنها أصبحت اليوم نموذجًا يُدرَس في العودة الطوعية والتعافي. ففي اليوم العالمي للاجئين الموافق 20 يونيو/حزيران 2026، بدأ السرد المتعلق بسوريا يتحول من التركيز على النزوح الجماعي إلى التركيز على العودة وإعادة الإعمار.
ويأتي هذا التحول في أعقاب تطورات سياسية كبرى وإطلاق عملية جديدة لبناء الدولة. فقد بدأت سوريا بالانتقال من مرحلة اتسمت بمخيمات النزوح إلى مرحلة تركز على إعادة البناء، مما يعكس تغيرًا في العلاقة بين المواطنين ووطنهم.
وتُظهر البيانات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) حجم هذا التحول. فمنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عاد أكثر من 1.3 مليون سوري من دول اللجوء، في حين عاد نحو 1.7 مليون نازح داخليًا إلى مناطقهم الأصلية داخل سوريا.
وتسارعت وتيرة العودة خلال عام 2026. فوفقًا للمفوضية، عاد أكثر من 196 ألف لاجئ سوري طوعًا من الأردن، من بينهم نحو 20 ألفًا منذ بداية العام وحتى مايو/أيار 2026.
أما من لبنان، فقد كانت أعداد العائدين أكبر بكثير. فبين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026، عاد نحو 630 ألف لاجئ سوري مسجل من لبنان إلى سوريا. وفي مارس/آذار 2026 وحده، عبر 180 ألف سوري إضافي من لبنان إلى سوريا، مشيرين إلى الأعمال العدائية في البلد المضيف.
وفي الوقت نفسه، عاد نحو 6,100 لاجئ سوري من العراق خلال عام 2025، إضافة إلى 900 لاجئ آخر خلال الأشهر الأولى من عام 2026. وداخل سوريا، عاد قرابة مليون نازح داخلي إلى مساكنهم الأصلية خلال النصف الأول من عام 2025.
وبحسب المفوضية، تشكل النساء نحو 49% من العائدين، بينما يشكل الأطفال 41%، ما يعكس عودة عائلات كاملة تسعى لإعادة بناء حياتها.
إعادة بناء المجتمعات واستعادة الاستقرار
يرى المسؤولون السوريون أن عودة اللاجئين تمثل عنصرًا أساسيًا في عملية التعافي الوطني. وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن الدولة ملتزمة بتمثيل اللاجئين والدفاع عن حقوقهم ودعم عملية عودة آمنة وطوعية وكريمة لهم.
وأطلقت الحكومة مبادرات تهدف إلى مساعدة النازحين على الاستقرار مجددًا في مجتمعاتهم الأصلية، من بينها برنامج “صفر خيمة” الذي يسعى إلى إنهاء الإقامة طويلة الأمد في المخيمات وتسهيل إعادة الاندماج. وشملت الجهود الأخيرة عودة نحو 1,700 عائلة من القامشلي إلى منطقة عفرين بإشراف الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع قسد.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود على المدى الطويل لا يعتمد على الالتزامات السياسية وحدها، بل يتطلب أيضًا توفير فرص اقتصادية، وبنية تحتية فاعلة، وخدمات عامة قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من العائدين.
تحديات التمويل مستمرة
حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن العودة الطوعية يجب أن تبقى آمنة ومستدامة، مؤكدة أهمية استمرار الدعم الدولي لجهود التعافي وإعادة الإعمار بما يتيح للعائدين بناء حياة مستقرة.
لكن التمويل لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا. فقد حصلت عمليات المفوضية داخل سوريا على أقل من 30% من التمويل المطلوب لعام 2026، والبالغ نحو 324 مليون دولار. أما في الأردن، فلا يغطي التمويل سوى 23.2% من الاحتياجات التشغيلية، ما يترك عجزًا يقارب 215 مليون دولار.
وفي وقت يستمر فيه ارتفاع معدلات النزوح في مناطق عديدة من العالم، تبرز التجربة السورية بوصفها مثالًا على الفرص والتحديات المرتبطة بالعودة واسعة النطاق. وسيعتمد استمرار هذا التحول على جهود التعافي المستدامة، وتوافر الدعم الدولي الكافي، وتهيئة الظروف التي تمكن السوريين العائدين من إعادة بناء حياتهم بأمان وكرامة.
