
شهد مسار العدالة الانتقالية في سوريا خطوة جديدة مع استئناف محاكمة عاطف نجيب، المسؤول الأمني السابق وأحد أبرز الشخصيات التابعة لنظام الأسد في درعا، أمام محكمة الجنايات الرابعة للعدالة الانتقالية في دمشق.
وقال المحامي جاسم المصلح في تصريح لـ”Levant24” إن مجريات المحاكمة تمثل اختباراً مهماً لمدى التزام سوريا بسيادة القانون. وأكد أن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تكون أداة للانتقام الشعبي أو وسيلة سياسية، بل مسؤولية تضطلع بها مؤسسات الدولة والسلطة القضائية.
وأضاف المُصلح أن على السوريين دعم المسار القانوني وترك العدالة تأخذ مجراها عبر محاكمات عادلة، بدلاً من السعي إلى الانتقام. كما أشار إلى أن تصريحات الرئيس أحمد الشرع بشأن اعتقال أمجد يوسف تعكس التزام الحكومة بمبدأ المحاسبة من خلال آليات قضائية قانونية تهدف إلى تعزيز المصالحة ومنع تجدد الصراع.
شهود يروون انتهاكات
خلال الجلسة الرابعة التي عُقدت يوم الثلاثاء، استمعت المحكمة إلى شهادات 13 شاهداً، بينهم شاهد محمي عُرف باسم “الشاهد رقم واحد”. ووفقاً لرديف مصطفى، مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، فقد خُصصت الجلسة بالكامل لسماع شهود الادعاء، بحضور ممثلين عن منظمات دولية وحقوقية.
وقدم الشهود إفادات وأدلة تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان ارتُكبت تحت سلطة عاطف نجيب زمن نظام الأسد. وشملت الاتهامات الاعتقال التعسفي، والقتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب الممنهج، والانتهاكات بحق الأطفال الذين قيل إنهم شكلوا نسبة كبيرة من المعتقلين في القضايا قيد النظر.
ووصف أحد الشهود تعرضه لانتهاكات جسدية وجنسية داخل أحد الأفرع الأمنية في درعا. من جانبه، رفض عاطف نجيب هذه الاتهامات وطعن في مصداقية روايات الشهود. وقررت المحكمة تأجيل الجلسات حتى 14 يوليو/تموز، حيث من المتوقع الاستماع إلى مزيد من شهود الادعاء.
اتهامات مرتبطة بثورة درعا
يواجه عاطف نجيب، وهو ابن خالة الرئيس المخلوع بشار الأسد، والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا، تهماً يقول الادعاء إنها ترقى إلى جرائم حرب. ويتهمه الادعاء بالمسؤولية المباشرة والقيادية عن جرائم ممنهجة ضد المدنيين، تشمل القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وقمع المظاهرات السلمية.
وتشير لائحة الاتهام إلى أن عاطف نجيب أشرف على استخدام الذخيرة الحية والقوة المفرطة ضد المحتجين، كما تحمله المسؤولية عن مجزرة المسجد العمري، التي تُعد من أبرز الأحداث المرتبطة ببدايات الثورة السورية. كذلك يتهمه الادعاء بالمشاركة في جهود منسقة مع مسؤولين أمنيين وعسكريين وسياسيين آخرين لتنفيذ انتهاكات واسعة النطاق.
وخلال الجلسات السابقة، نفى عاطف نجيب جميع التهم الموجهة إليه. وادعى أن جهات أمنية أخرى هي التي اعتقلت الأطفال الذين كتبوا شعارات مناهضة للحكومة في مارس/آذار 2011، وهي الحادثة التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات في درعا. كما حمّل مسؤولية إطلاق النار على المتظاهرين إلى الأمن العسكري والمخابرات الجوية، معتبراً أن الخلافات بين كبار المسؤولين أثرت في طريقة تعامل الحكومة مع الاحتجاجات.
توسيع إجراءات المساءلة
تُعد قضية عاطف نجيب جزءاً من مبادرة أوسع للعدالة الانتقالية تهدف إلى كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة للضحايا، ومعالجة الإفلات من العقاب، مع الحفاظ على معايير المحاكمة العادلة.
وأعلنت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عن محاكمات مرتقبة لمسؤولين سابقين آخرين، من بينهم وسيم الأسد، أحد أقارب بشار الأسد، وأحمد بدر الدين حسون، المفتي السابق للجمهورية. وتعكس هذه الإجراءات مجتمعة جهوداً أوسع لتعزيز المساءلة عبر المؤسسات القانونية، مع التشديد على ضمانات التقاضي السليم والمصالحة الوطنية في سوريا ما بعد النزاع.
