
لا تزال سوريا من بين أكثر دول العالم عرضة لتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وفقًا لتقرير مشترك حديث صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، والذي صنّف البلاد ضمن 13 بؤرة عالمية للجوع يُتوقع أن تواجه تحديات حادة في الأمن الغذائي خلال الفترة بين يونيو/حزيران ونوفمبر/تشرين الثاني 2026.
ويعزو التقرير الأزمة بشكل رئيسي إلى الصراع الممتد، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والضغوط المرتبطة بتغير المناخ، مشيرًا إلى أن النزاعات والعنف لا تزال المحرك الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي في 12 من أصل 13 دولة شملها التقييم.
وفي سوريا، لا تزال سنوات النزاع المسلح، وتراجع الإنتاج الزراعي، واستمرار التحديات الإنسانية تحدّ من قدرة ملايين الأشخاص على الحصول على الغذاء. وتقدّر منظمة الأغذية والزراعة أن 13.4 مليون سوري، أي أكثر من نصف سكان البلاد، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما تكافح نحو 30% من الأسر لتأمين احتياجاتها الغذائية اليومية.
الزراعة تواجه تحديات متعددة
وخلال كلمته في مؤتمر شركاء العمل المتعلق بالألغام في سوريا 2026 الذي عُقد في جنيف، وصف القائم بأعمال ممثل منظمة الأغذية والزراعة في سوريا، بييرو توماسو بيري، القطاع الزراعي بأنه “يقف عند منعطف حرج” بعد 14 عامًا من الصراع، إضافة إلى موجات الجفاف المتكررة، وتضرر شبكات الري، وتعطل الأسواق، وتراجع الخدمات العامة.
وأوضحت المنظمة أن الجفاف الشديد خلال الموسم الزراعي 2024-2025 أدى إلى انخفاض إنتاج القمح بنحو 60%، ما تسبب في عجز يُقدّر بـ 2.7 مليون طن. كما تراجعت أعداد الثروة الحيوانية بنسبة تتراوح بين 40% و50%، الأمر الذي أثّر سلبًا على سبل عيش سكان الريف والإمدادات الغذائية المحلية.
وأضاف بيري أن مخلفات الحرب غير المنفجرة لا تزال تعيق تعافي القطاع الزراعي. فمنذ نهاية عام 2024، سجّلت المنظمة 1,299 حادثًا مرتبطًا بالذخائر غير المنفجرة، أسفر عن 2,325 ضحية، وقعت نسبة كبيرة منها في الأراضي الزراعية ومناطق الرعي. وحذر من أن أنشطة يومية مثل حراثة الأرض، أو رعي المواشي، أو حصاد المحاصيل قد تعرّض السكان الريفيين لخطر الانفجارات.
التعافي يتطلب استثمارات
وأكدت منظمة الأغذية والزراعة أن إعادة تأهيل القطاع الزراعي تتطلب أكثر من مجرد تقديم مساعدات غذائية طارئة، مشيرة إلى أنها تعمل على تحديد المناطق التي يمكن أن تحقق فيها عمليات إزالة الألغام أكبر أثر في استعادة الإنتاج الزراعي، بالتوازي مع دعم جهود التعافي الأوسع.
لكن التمويل لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا، إذ أوضحت المنظمة أنها لم تحصل سوى على 16% من التمويل المطلوب لبرامج الطوارئ الزراعية لعام 2025، ما حرم العديد من الأسر الزراعية من الدعم الموسمي. ولمعالجة هذه الفجوة، أطلقت المنظمة خطة الطوارئ والقدرة على الصمود للفترة 2026-2028، وتسعى من خلالها إلى جمع 286 مليون دولار لدعم 9.8 مليون شخص عبر برامج إنعاش الزراعة وتعزيز سبل العيش.
ويخلص التقرير المشترك إلى أن تحسين الأمن الغذائي في سوريا يتطلب معالجة مجموعة من التحديات المترابطة، تشمل زيادة التمويل الإنساني، وإعادة تنشيط الإنتاج الزراعي، وإزالة مخلفات الحرب من الأراضي الزراعية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، بما يسهم في الحد من مخاطر الجوع وتعزيز قدرة البلاد على الصمود غذائيًا على المدى الطويل.
