
تكثفت التوغلات والهجمات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا لتتحول إلى ما وصفه مراقبون محليون وسكان بنمط شبه يومي، مما أثر على المدنيين والأراضي الزراعية وحركة النقل العامة، في حين وسع مراقبو الأمم المتحدة تحقيقاتهم الميدانية لتشمل حوادث متعددة.
وثق تقرير صادر عن “مركز البحوث والاستشارات”، ونُشر عبر منصة تابعة للأمم المتحدة، ما يقرب من 900 حادثة نُسبت للقوات الإسرائيلية في جنوب سوريا، منها 123 حادثة في شهر مارس وحده. وأشار التقرير إلى أن التحول الأبرز يتمثل في التداخل بين النشاط العسكري والاحتجاجات المدنية، حيث انتقلت المظاهرات من مراكز المدن باتجاه مناطق التماس في أواخر مارس وأوائل أبريل. وشملت الحوادث الأخيرة في القنيطرة ودرعا مداهمات للمنازل، وإغلاق طرق، ونصب حواجز، وقصفاً مدفعياً، واعتقالات، وأنباءً عن اختطاف مدنيين.
وأفادت وسائل إعلام محلية أن دوريات إسرائيلية دخلت بلدات كودنة وحماطة ومناطق قرب جملة خلال الأيام الماضية، واحتجزت عدداً من السكان، بينهم رجل يبلغ من العمر 55 عاماً نُقل باتجاه الجولان المحتل بعد مداهمة منزله. وفي القنيطرة، أبلغ السكان عن إغلاق طرق زراعية وقروية رئيسية، بما في ذلك الطرق التي تربط بين قرى الأصبح وكودنة ورويحينة، مما زاد من تقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية ومناطق الرعي.
قوة “الأندوف” توسع دورياتها وتفتح تحقيقات
رفعت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) وتيرة دورياتها على طول خط وقف إطلاق النار لعام 1974، بالتزامن مع فتح تحقيقات في الهجمات التي تسببت في مقتل أو تعريض حياة المدنيين للخطر. وقالت “الأندوف” إن مراقبيها العسكريين رصدوا دبابة إسرائيلية تطلق قذيفتين في 3 أبريل بالقرب من “الزعرورة”، مما أدى إلى مقتل الشاب السوري أسامة الفهد (17 عاماً) أثناء تواجده داخل سيارته.
ورداً على ذلك، أطلقت “الأندوف” تحقيقاً رسمياً، وأجرت تقييماً ميدانياً لموقع الضربة، وجمعت شهادات من السكان والقرى المجاورة. وقالت القوة في بيان لها إن المدنيين “يجب ألا يكونوا هدفاً أبداً”، واصفة أي هجوم عليهم بأنه غير مقبول ويمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، كما حثت جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب الأعمال التي من شأنها تصعيد التوتر.
كما دخلت دوريات “الأندوف” بلدة “معرية” في ريف درعا الغربي هذا الأسبوع لتوثيق شهادات السكان حول الاعتقالات والتوغلات، وسرقة أكثر من 300 رأس من الماشية قال الأهالي إن “مستوطنين إسرائيليين” استولوا عليها بعد عبور خط وقف إطلاق النار ومنطقة الفصل.
وصرح مدير المكتب الإعلامي في القنيطرة، محمد السعيد، أن انتشار الأمم المتحدة لا يزال ضمن إطار اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، لكن دورها التوثيقي أصبح أكثر نشاطاً مع تزايد الانتهاكات. وأشار إلى أن الدوريات لم توقف التوغلات، رغم أنها توفر قدراً من الطمأنينة للسكان عبر توثيق الأحداث.
انتقادات دولية متزايدة بشأن “المنطقة العازلة”
يتصاعد القلق الدولي بالتزامن مع ارتفاع عدد الحوادث. وصرح وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، خلال زيارته لسوريا، أن وجود القوات الإسرائيلية داخل “المنطقة العازلة” بحد ذاته يشكل انتهاكاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي تسمح فقط بانتشار قوات “الأندوف” في تلك المنطقة.
تأتي هذه الانتقادات في وقت يصف فيه المحللون التوغلات بأنها أصبحت منهجية وليست مجرد ردود فعل حدودية معزولة. وقال المحلل في الشؤون السورية الإسرائيلية، خالد خليل، لـ “عربي 21″، إن المداهمات تندرج ضمن نمط العدوان العسكري الإقليمي الإسرائيلي، الذي قد يهدف إلى زيادة الضغط على دمشق خلال فترة متقلبة من الصراع الأوسع.
من جانبه، رأى المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد أن التوسع يبدو وكأنه تجاوز التوغلات المؤقتة نحو إنشاء نقاط عملياتية محصنة داخل الأراضي السورية، واصفاً ذلك بأنه محاولة لفرض “واقع جديد” قبل أي مفاوضات دبلوماسية متجددة.
تكتيكات الاحتلال تضيق الخناق على الحياة المدنية
بعيداً عن الأثر الأمني المباشر، يقول السكان ومسؤولون محليون إن المداهمات المتكررة والقيود على الأراضي والسيطرة على الموارد تغير معالم الحياة اليومية في القرى القريبة من الجولان المحتل. ويقول مسؤولون في القنيطرة إن السكان يخشون من استراتيجية تهدف إلى الضغط على المجتمعات المحلية للوصول إلى “النزوح الذاتي”، في صدى للظلال الطويلة التي خلفتها حرب عام 1967.
ورغم ذلك، يواصل السكان المحليون رفض مغادرة بلداتهم، حتى مع تحول الدوريات العسكرية وطائرات الاستطلاع ومراكز المراقبة الليلية المؤقتة إلى مشهد مألوف. ويشير الأثر التراكمي، وفقاً للتقارير المحلية ومراقبة الأمم المتحدة، إلى نمط مستمر من التوغلات واحتجاز المدنيين وتعطيل البنية التحتية يمتد عبر مناطق متعددة في جنوب سوريا.
ومع قيام محققي الأمم المتحدة بجمع الأدلة وتشكيك المسؤولين الدوليين علناً في قانونية الانتشار العسكري في المنطقة العازلة، بدأت هذه التطورات تحظى برقابة أدق باعتبارها جزءاً من نمط منهجي ومتجذر من ضغوط “عصر الاحتلال” على المجتمعات السورية.
