
اعتقلت السلطات السورية واللبنانية شخصيات عسكرية وميليشياوية بارزة مرتبطة بالنظام السابق، في إطار حملة متواصلة لملاحقة مسؤولين متهمين بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات خلال سنوات الصراع السوري.
أعلنت وزارة الداخلية السورية في 12 مايو/أيار اعتقال اللواء الركن جايز حمود الموسى، قائد أركان القوى الجوية السورية السابق، خلال ما وصفته بعملية أمنية “محكمة”، دون الكشف عن مكان تنفيذ العملية أو تفاصيل إضافية.
وشغل الموسى عدة مناصب عسكرية رفيعة ضمن نظام الأسد، وتتهمه مصادر سورية بالمشاركة في عمليات عسكرية استهدفت مدنيين خلال الحرب. وبحسب مصادر نقل عنها موقع “العربي الجديد”، يواجه الموسى اتهامات مرتبطة بمجزرة وقعت عام 2012 في مدينة الضمير بريف دمشق، وأسفرت عن مقتل 22 مدنياً بينهم 10 أطفال.
كما نجا الموسى من عدة محاولات اغتيال خلال الحرب، بينها هجوم في محافظة حماة عام 2014. وأوضحت وزارة الداخلية أن اعتقاله يأتي ضمن حملة أوسع تستهدف مسؤولين عسكريين وأمنيين متهمين بالتورط في القمع والهجمات ضد المدنيين خلال الثورة السورية.
وفي سياق متصل، أعلنت قوى الأمن السورية اعتقال نوري عبد الرحمن العلي، الذي تتهمه السلطات بالقتال إلى جانب ميليشيات طائفية والمشاركة في الحملات العسكرية في محافظتي إدلب وحماة. وأكدت الوزارة إحالته إلى إدارة مكافحة الإرهاب لاستكمال التحقيقات تمهيداً لمحاكمته.
اعتقال في لبنان يثير تساؤلات حول التسليم
بالتوازي مع ذلك، اعتقلت السلطات اللبنانية ماهر عجيب، قائد ميليشيا “لواء أبو الفضل العباس” المدعومة من إيران، وفق تقارير إعلامية سورية ولبنانية. ولعبت الميليشيا دوراً بارزاً في دعم قوات الأسد خلال الحرب، وضمت العديد من المقاتلين القادمين من جماعات شيعية عراقية قاتلت في سوريا.
وينحدر ماهر عجيب من بلدة نبل في ريف حلب الشمالي، قبل أن يؤسس الميليشيا في دمشق، حيث شاركت في معارك عدة بريف دمشق وحمص. كما أفادت وسائل إعلام لبنانية باعتقال أبو حيدر النشّاب، وهو قائد آخر مرتبط بجماعات مسلحة متهمة بارتكاب انتهاكات خلال الحرب.
ونقلت مصادر تحدثت إلى “تلفزيون سوريا” و”المدن” أن السلطات اللبنانية تستعد لتسليم الرجلين إلى سوريا في إطار التنسيق الأمني المستمر بين بيروت ودمشق. وإذا تم ذلك، فسيشكل تسليم ماهر عجيب إحدى أولى عمليات نقل قائد بارز في ميليشيا شيعية مرتبطة بقوات النظام السابق إلى سوريا لمحاكمته.
وأشار محللون ومراقبون إقليميون إلى الحساسية السياسية للقضية، نظراً للعلاقات الوثيقة التي ربطت “لواء أبو الفضل العباس” بكل من الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” اللبناني خلال سنوات الحرب. كما تفيد التقارير بأن علاقة عجيب بحزب الله تدهورت لاحقاً بسبب خلافات داخلية تتعلق بملفات أمنية، ما أدى إلى تهميشه من قبل الأسد بعد عام 2018.
ملامح العدالة الانتقالية
تأتي هذه الاعتقالات في وقت تحاول فيه السلطات السورية الجديدة بناء مسار للعدالة الانتقالية عقب سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024. وتصف السلطات الحملة بأنها جزء من جهود مستمرة لمحاسبة مسؤولين سابقين في الجيش وأجهزة الاستخبارات على جرائم حرب وانتهاكات ارتُكبت بين عامي 2011 و2024.
ورغم ترحيب كثير من السوريين بحملات الاعتقال، لا تزال هناك تساؤلات بشأن الإطار القانوني الذي سيحكم المحاكمات المقبلة، ومدى استعداد الحكومات الإقليمية للتعاون في تسليم المطلوبين المتهمين بارتكاب جرائم خلال النزاع.
وفي الوقت الراهن، تشير الاعتقالات المتزايدة إلى أن السلطات السورية توسّع ملاحقتها لقادة النظام السابق، بمن فيهم شخصيات كانت تُعتبر سابقاً من أكثر أركان المؤسسة العسكرية والأمنية نفوذاً وحصانة.
