
ظل النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا مكثفاً خلال شهر مايو (أيار) الماضي، على الرغم من انخفاض العدد الإجمالي للحوادث المسجلة مقارنة بالأشهر السابقة، وفقاً لتقرير جديد صادر عن “مركز سجل” المتخصص في رصد الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا. ووثق التقرير 205 انتهاكات خلال مايو، انخفاضاً من 254 انتهاكاً في نيسان/أبريل و321 في آذار/مارس، والذي سجل أعلى معدل شهري هذا العام.
وفي حين تشير هذه الأرقام إلى تراجع تدريجي في النشاط، إلا أن المركز أشار إلى أن الانتهاكات لا تزال أعلى بكثير من المستويات الموثقة في بداية عام 2025. وسجلت محافظة القنيطرة الحصة الأكبر من الحوادث بـ 163 انتهاكاً، تلتها درعا بـ 41 انتهاكاً، كما سجل التقرير تحليقاً جوياً واحداً فوق العاصمة دمشق.
وشكّلت التوغلات البرية النشاط الأكثر شيوعاً، حيث تم تسجيل 64 توغلاً شمل دوريات عسكرية وآليات مدرعة وتحركات لقوات الاحتلال في ريفي القنيطرة ودرعا. وبحسب التقرير، تمركزت القوات الإسرائيلية في مواقع عسكرية مهجورة، وتحركت داخل القرى والمناطق الزراعية.
علاوة على ذلك، وثق المركز 52 طلعة جوية واستطلاعية، و25 حاجزاً مؤقتاً، و19 عملية مداهمة استهدفت منازل ومزارع ومنشآت مدنية. كما سجل التقرير 16 حالة اختطاف لمدنيين، من بينهم رعاة أغنام وشبان، تم إطلاق سراحهم لاحقاً.
مخاوف متزايدة لدى المزارعين مع موسم الحصاد
مع اقتراب موسم حصاد القمح والشعير، أعرب مزارعون في القنيطرة عن مخاوفهم من تداعيات أنشطة الاحتلال المستمرة على الإنتاج الزراعي. وصرح محمد رحال، المكلف بتسيير أعمال مديرية زراعة القنيطرة، لموقع “عربي21” أن المزارعين يواجهون صعوبات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم في المناطق المتضررة من التوغلات الإسرائيلية، محذراً من أن الأنشطة العسكرية والحرائق المحتملة قد تؤدي إلى خسائر فادحة للمنتجين المحليين.
وجاءت هذه المخاوف عقب اجتماع بين قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) واتحاد فلاحي القنيطرة. ووفقاً لرئيس الاتحاد، عبد الرحمن خلف، فقد طالب المزارعون بضمانات للوصول الآمن إلى حقولهم خلال موسم الحصاد، ووافق الاتحاد على تقديم قوائم بأسماء المزارعين لتسهيل التنسيق بشأن الوصول إلى الأراضي الزراعية القريبة من الجولان المحتل.
كما اتهم عبد الرحمن خلف القوات الإسرائيلية بتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، وإتلاف المحاصيل، ومنع رعي الماشية في المناطق القريبة من خط الفصل. وأفاد مسؤولون محليون بأن أكثر من 150 هكتاراً من الأراضي أصبحت غير قابلة للوصول بسبب الأنشطة العسكرية الأخيرة.
مشاريع توسعية واعتقالات جديدة
تشير التطورات الأخيرة إلى استمرار أعمال الإنشاءات العسكرية الإسرائيلية في محافظة القنيطرة؛ حيث أفاد سكان محليون بأن آليات عسكرية إسرائيلية نفذت أعمال تحصين وتوسيع بالقرب من “تل عكاشة” كجزء من مشروع “سوفا 53”.
ونقلاً عن مصادر محلية أوردها تلفزيون سوريا، يشمل المشروع طرقاً عسكرية وسواتر ترابية وخنادق ونقاط مراقبة. وذكر باحثون في مقابلات مع القناة أن هذه المبادرة تبدو مصممة لتأسيس وجود عسكري احتلالي أكثر ديمومة في جنوب سوريا.
وفي غضون ذلك، أفادت وسائل إعلام محلية بحدوث توغل جديد في قرية “أبو مذراة” جنوب القنيطرة في 6 حزيران/يونيو. ووفقاً لتلفزيون سوريا، دخلت القوات الإسرائيلية القرية قبل الفجر، وداهمت أحد المنازل واختطفت شاباً لا يزال مصيره مجهولاً، بينما دخلت دورية أخرى منفصلة قرية “الأصبح”.
اهتمام دولي بالتوترات الحدودية
تأتي هذه التطورات الأخيرة وسط تدقيق دولي متزايد للعمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة. وخلال شهادته أمام اللجنة الفرعية للميزانية في مجلس الشيوخ الأمريكي، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن توسيع السيطرة الإسرائيلية إلى أراضٍ في سوريا ولبنان وغزة لا يتماشى مع السياسة الأمريكية.
ووفقاً للتصريحات التي نقلتها وكالة الأناضول، قال روبيو إن واشنطن تعارض الخطوات التي من شأنها أن “تزيد من عدم الاستقرار الإقليمي”، مؤكداً أن المسؤولين الأمريكيين يواصلون “المناقشات مع السلطات السورية” بشأن “المخاوف الأمنية” الإسرائيلية.
ورغم تراجع النشاط العسكري في جنوب سوريا خلال شهر مايو مقارنة بالأشهر السابقة، إلا أن مجموعات الرصد والسكان المحليين يؤكدون أن التوغلات والاعتقالات ومشاريع البناء لا تزال تشكل الواقع الميداني في المنطقة الحدودية، وتحديداً في القنيطرة ودرعا.
