
أمضى وسيم نصر، وهو صحفي وباحث فرنسي كبير في “مركز سوفان” (The Soufan Center)، أكثر من عقد من الزمن في تتبع الحركات الجهادية والمشهد المتطور للإرهاب العالمي. ومن خلال تقاريره لشبكة “فرانس 24” باللغات الفرنسية والإنجليزية والعربية، أصبح وسيم نصر أحد الخبراء الرائدين في التنظيمات الإسلامية، حيث أجرى مقابلات وتحقيقات رفيعة المستوى في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا. كما أنه مساهم دائم في “مركز مكافحة الإرهاب” في وست بوينت (West Point).
في هذا المقال الخاص لـ Levant 24، يتناول وسيم نصر كيف يمكن للتطور السياسي والعسكري لمعقل الثورة السورية السابق في إدلب، والصعود اللاحق للسلطات السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد، أن يقدما إطاراً جديداً لحل النزاعات في المناطق المتضررة من التمرد الجهادي. ومن خلال إجراء مقارنات بين سوريا وأفغانستان ومالي، يستكشف نصر ما إذا كان تحول الحركات المسلحة السابقة إلى جهات فاعلة سياسية يمكن أن يوفر مساراً قابلاً للتطبيق نحو تحقيق الاستقرار والحوكمة وإعادة الاندماج الدولي.
__________________________________
في أبريل/نيسان 2023، عندما قمت بزيارتي الأولى إلى إدلب، كان دافعي فكرة واضحة تحتاج إلى اختبارها على أرض الواقع في آخر معقل للمعارضة السورية. كانت هذه الفكرة تتبلور في ذهني منذ عام 2019: وهي مراقبة كيف يمكن لتنظيم مصنف جهادياً أن يختار التخلي عن “الإرهاب العالمي” ويحكم بناءً على ذلك.
وعلى الرغم من أن الأبواب كانت مفتوحة تقنياً للزيارة، إلا أن التحدي الأكبر تمثل في إقناع جميع الأطراف المعنية على الرغم من المخاطر الواضحة والحسابات المتضاربة لكل طرف. لقد فشلتُ أكثر من مرة. وفي نهاية المطاف، وفي مفارقة واضحة، خلقت الزلازل التي ضربت تركيا وسوريا هذه الفرصة؛ إذ أعادت المعاناة المتجددة للشعب السوري إدلب إلى محط أنظار العالم. وفجأة، أصبحت إدلب مفتوحة ليراها العالم، ووسط الركام، اختفت العقبات الأخيرة التي كانت تقف في طريقي.
وإذا كانت تجربة حوكمة “هيئة تحرير الشام” في إدلب قد خلقت “نموذجاً أولياً” لمناطق النزاع الأخرى المتضررة من “التمرد الجهادي”، فإن النجاح في إسقاط نظام الأسد ضد كل التوقعات، متبوعاً بحكم سوريا وإعادة دمج البلاد في المجتمع الدولي، قد خلق طريقاً محتملاً لحل النزاعات وإحلال السلام في بلدان أخرى مزقتها الحروب وتواجه ديناميكيات جهادية مماثلة.
مسار للخروج من الإرهاب العالمي للمجموعات المصنفة أصبح ممكناً
أدى نجاح العملية التي قادت إلى دمشق إلى إزالة أفراد وكيانات من قوائم الإرهاب. لقد مهدت هيئة تحرير الشام الطريق لسابقة تاريخية فيما يتعلق بالحركات الجهادية، على الرغم من أنه من منظور تاريخي أوسع، لن يكون هذا أمراً غير مسبوق تماماً إذا أخذنا في الاعتبار أطرافاً أخرى كانت مصنفة سابقاً مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي (IRA)، أو منظمة “إيتا” الإسبانية (ETA)، أو منظمة التحرير الفلسطينية (PLO).
ومع ذلك، ذهبت قيادة هيئة تحرير الشام خطوة أبعد من ذلك بالوصول إلى السلطة والاعتراف بها كممثل شرعي وحيد لسوريا على الساحة الدولية.
وفي حين كانت الجماعات الجهادية حول العالم تراقب عن كثب التطور السياسي لهيئة تحرير الشام، فإن الحركة التي تركز على سوريا لم تعد تعتبر نفسها جزءاً من الطيف الجهادي العالمي. وقد حدث هذا التحول في الوقت الذي كانت فيه شخصيات مؤثرة، مثل الراحل “أبو ماريا القحطاني”، تدعو علناً تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وبالتالي “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، إلى قطع علاقاتها بتنظيم القاعدة، مع حث تنظيم القاعدة على حل نفسه.

خلال زيارتي الأولى إلى إدلب، التقيت بالسيد أسعد الشيباني، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس المكتب السياسي في إدلب، وكانت أولى كلماته لي: “أنت خبير في الحركات الجهادية. ونحن لسنا حركة جهادية (بالمفهوم العالمي)، فلماذا نتحدث معك؟” وكان جوابي بسيطاً: “من أفضل من خبير ليقول إنكم لستم كذلك؟” وفي تلك الزيارة، وبعد اجتماع طويل، مُنحتُ فرصة لقاء السيد أحمد الشرع، حيث حصلتُ على نظرة فريدة ومباشرة حول الإجراءات الجارية والسياسات القادمة لإدلب وسوريا.
لقد تم توجيه جهاد هيئة تحرير الشام ببطء ضد نظام الأسد وحلفائه، وأظهرت الجماعة ذلك في نهاية المطاف من خلال مخاطبة موسكو وبغداد علناً بينما كان الأسد يعيش ساعاته الأخيرة في دمشق. وبعد سقوطه، انطلقت جهود دبلوماسية وأمنية مستمرة بهدف خفض التوترات مع دول الجوار والمجتمع الدولي ككل.
وقد عقد بعض المراقبين مقارنات بين سيطرة طالبان على كابول وسيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق. ومع ذلك، تختلف هذه الأحداث التاريخية بشكل كبير في كل من ديناميكياتها وعواقبها؛ إذ يتعامل المجتمع الدولي مع حكام كابول بطريقة حذرة وبراغماتية وفي حدها الأدنى، في حين كان التعامل مع دمشق سريعاً ومدفوعاً بهدف تجاوز مجرد تحقيق الاستقرار نحو إعادة دمج سوريا بالكامل في النظام الدولي.
كيف تقيّم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” تجربة هيئة تحرير الشام؟
مثلما يختلف الوضع في أفغانستان جوهرياً عن الوضع في سوريا، فإن الواقع في مالي يختلف عن كليهما. لذلك، فإن ما تفحصه “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) -الفرع التابع لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل الإفريقي- ليس مجرد عمليات احتواء تنظيم القاعدة أو الانفصال عنه، بل عملية القبول السياسي والتطبيع التي تلت ذلك في سوريا.
ومن الخطأ افتراض أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ستكرر المسار ذاته الذي اتبعته “جبهة النصرة”، والمتمثل في قطع العلاقات مع تنظيم القاعدة قبل الشروع في العملية العسكرية والسياسية التي أتاحتها هيئة تحرير الشام لاحقاً.
في عام 2016، كان زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري لا يزال على قيد الحياة، وكان للتنظيم ممثل في سوريا، وهو أبو الخير المصري. وقُتل الرجلان لاحقاً في ضربات بطائرات أمريكية مسيرة؛ الظواهري في كابول عام 2022، والمصري في المسطومة بإدلب عام 2017، حيث شكلت الضربة الأخيرة أول استخدام عملياتي لصاروخ “هلفاير” ذي الشفرات من طراز (R9X).
واليوم، لم يعد يبدو أن لتنظيم القاعدة ممثل بارز ومحدد بوضوح في منطقة الساحل الإفريقي. كما أن التنظيم لم يعترف رسمياً بوفاة الظواهري ولم يعين خلفاً له علناً.

وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لأي انفصال مستقبلي مماثل لانفصال جبهة النصرة في سوريا عام 2016. ومع ذلك، تواجه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تحدياً مشابهاً للتحدي الذي واجهته جبهة النصرة منذ عام 2013؛ والمتمثل في خطر خسارة مقاتلين لصالح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وبما أن محاربة تنظيم الدولة تظل أولوية عقائدية وسياسية لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فإن أي انفصال نهائي عن تنظيم القاعدة سيتطلب الخروج من خلال عملية تُعتبر مشروعة دينياً في نظر صفوفها.
وعلى العكس من جبهة النصرة، التي خسرت أعداداً كبيرة من المقاتلين الأجانب في ذلك الوقت، تواجه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خطر خسارة أعداد كبيرة من المقاتلين المحليين من قومية “الفولاني”، الذين يتحملون حالياً العبء العسكري الأكبر للجماعة. ولهذا السبب، فإن الانفصال عن تنظيم القاعدة “ليس أولوية الساعة”، وإن كان يمكن أن يحدث في نهاية المطاف بحكم الأمر الواقع من خلال ترتيبات حوكمة مع أطراف أخرى، بدلاً من كونه شرطاً مسبقاً للمشاركة السياسية.
ومن الجدير بالذكر أيضاً أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أصدر بياناً يهنئ فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والقبائل الحليفة على نجاحاتهم في مالي. ويمكن تفسير ذلك على أنه “مباركة” للتحالف مع أطراف غير جهادية، أو محاولة لإبقائهم داخل فلك تنظيم القاعدة؛ إذ إن خسارة منطقة الساحل الإفريقي بعد بلاد الشام قد تكون مدمرة للتنظيم في إطار تنافسه العالمي مع تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي هذا الصدد، يرى تنظيم الدولة الإسلامية بالفعل أن التحالف بين متمردي “جبهة تحرير أزواد” (FLA) وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين هو تكرار للسيناريو السوري، كما ورد صراحة في افتتاحية نُشرت في صحيفة “النبأ”؛ حيث يستخدمون ذلك دليلاً على “ضلال” تنظيم القاعدة وأنهم هم من يسيرون على “الطريق القويم”. علماً بأن “المباهلة” (وهي ممارسة يبتهل فيها طرفان متنازعان إلى الله لينزل لعنته على الطرف الكاذب منهما) التي جرت بين الشيخ “عطون” من جبهة النصرة والمتحدث الراحل باسم تنظيم الدولة “العدناني”، تُعتبر أيضاً دليلاً على أن جبهة النصرة، وبالتالي هيئة تحرير الشام، كانت على الطريق الصحيح.
هل “كيدال” الماليّة هي “إدلب” الساحل الأفريقي؟
إن الانفصال عن تنظيم القاعدة أمر، وتوحيد الفصائل المسلحة تحت راية واحدة في إدلب كان أمراً آخر أكثر صعوبة، وكان خطوة مكلفة لكنها حاسمة مكنت مشروع حوكمة “حكومة الإنقاذ” من العمل بفعالية.
إن ما يُشار إليه بـ “التغلب” -أي ترسيخ السلطة من خلال الهيمنة العسكرية- أصبح شرطاً أساسياً لنجاح الحركة. كما أثبت التواصل السياسي اللاحق مع قوى المعارضة الأخرى والمجتمع الدولي أنه على القدر نفسه من الأهمية في مسار إسقاط الأسد.
لقد شكلت سنوات الحوكمة القليلة في إدلب اختباراً حياً للمشروعية السياسية لهيئة تحرير الشام وقدرتها المؤسساتية. ولولا الإجراءات القسرية والسياسية التي نفذتها القيادة، فضلاً عن الحفاظ على قنوات مفتوحة مع العالم من خلال جهود “المكتب السياسي” للسيد الشيباني، لكان الطريق إلى دمشق قد ظل مغلقاً على الأرجح، تماماً كما كان الحال خلال السنوات الأولى للثورة السورية عندما كان الخوف من المجهول هو السائد.
ويمكن لمدينة كيدال، التي طالما كانت العاصمة الرمزية لتمرد الطوارق في شمال مالي، أن تؤدي دوراً مشابهاً للدور الذي لعبته إدلب في سوريا: لتكون حقل تجارب لممارسات الحوكمة وواجهة تُعرض على العالم الخارجي.
ويمكن أن تصبح الفضاء الذي تتجسد فيه الحوكمة المشتركة بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. ومع ذلك، فإن مثل هذه الحوكمة ستشمل إلى حد كبير سكاناً ينتمون إلى المجموعات العرقية الشمالية نفسها والمنطقة الجغرافية ذاتها، على الرغم من أن العبء العسكري الرئيسي خلال العمليات المنسقة في 25 أبريل/نيسان قد حمله مقاتلو الفولاني من وسط وجنوب مالي، الذين لم يحصلوا بعد على أي مكاسب سياسية ملموسة.
وفي الوقت نفسه، وبعد صدور بيانات من كل من جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تقر بالتنسيق العسكري والتقارب السياسي، تراجع رئيس جبهة تحرير أزواد لاحقاً، مصرحاً بأنه لا يوجد تحالف رسمي بين الجماعتين.

وهنا أيضاً، يمكن عقد مقارنات مع الفصائل السورية المتناحرة إبان فترة الثورة، والخوف من التحالف مع تنظيم مُصنّف كمنظمة إرهابية.
وعندما خسرت الفصائل المتمردة مدينة “كيدال” عام 2023، سألتُ مصادر في “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” عن سبب عدم تدخل الجماعة لدعم المتمردين، فجاءت الإجابة فظة وصريحة: “ليس لدينا مصلحة في التضحية بالأصول والرجال لإنقاذ عاصمة المتمردين”.
بيد أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين “جبهة تحرير أزواد” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في عام 2025 يشير إلى أن الطرفين قدما تنازلات في نهاية المطاف.
تُظهر الرسائل العلنية لـ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” الموجهة إلى روسيا وخصومها السياسيين خلال معركة 25 أبريل بوضوح، أن الجماعة قد استوعبت الدروس من “كتيب قواعد اللعبة” السوري الخاص بـ “هيئة تحرير الشام”. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات جسيمة؛ فباماكو وموسكو، المدركتان تماماً للأهمية السياسية التي يمكن أن تكتسبها هذه المدينة الصحراوية النائية، تواصلان قصف بنيتها التحتية ومبانيها من الجو.
وحتى الآن، تبدو “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” أكثر ميلاً إلى نموذج حركة طالبان في الحكم، إذ ترى أن السلطات الحالية في دمشق تفرط في التساهل بشأن قضايا معينة تعتبرها الجماعة جوهرية. ورغم ذلك، تواصل الجماعة مراقبة وتقييم المسار السياسي الذي تبنته السلطات السورية منذ سقوط الأسد.
ونظراً لأن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” تحتاج في نهاية المطاف إلى دمج فاعلين سياسيين ماليين آخرين إذا كانت تأمل في الإطاحة بالمجلس العسكري الحاكم في باماكو، فإن الشمولية السياسية تظل أمراً ضرورياً. ومع ذلك، كلما طال أمد الفشل في إيجاد تنسيق سياسي هادف بين القوى المناهضة للمجلس العسكري، قلّت التنازلات التي قد تشعر الجماعة بأنها مضطرة لتقديمها، وأصبح النموذج الأفغاني أكثر ترجيحاً مقارنة بالنموذج السوري الحالي. ورغم حقيقة أن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” تنشط في خمس دول أفريقية، إلا أن حل النزاع في مالي -وفقاً لقيادتها- سيكون له أثر إقليمي إيجابي من خلال المفاوضات.
هل يمكن لدمشق أن تلعب دوراً؟
لا يزال من المبكر جداً تحديد ما إذا كان بإمكان دمشق، أو حتى ما إذا كانت راغبة في، لعب دور في مفاوضات مستقبلية من هذا النوع بشأن الوضع في مالي أو في أي جزء آخر من العالم.
ومع ذلك، فإن اهتمام جميع الأطراف بالمثال السوري، بوصفه مخططاً توجيهياً لحل النزاعات بعد عقدين من “الحرب على الإرهاب”، هو أمر حقيقي لا يمكن إنكاره.
وبعد أن أثبت السوريون مساراً ممكناً واكتسبوا ثقة جزء كبير من المجتمع الدولي، قد يصبح بمقدورهم الآن الاستفادة من خبراتهم، وعلاقاتهم، ومصداقيتهم السياسية للعمل كوسيط.

تاريخياً، لطالما وقفت دمشق عند مفترق طرق المفاوضات التي ضمت فاعلين عديدين من الشرق الأوسط وحتى شمال أفريقيا. ويمكن لهذا الدور أن يُستأنف محتملاً في ظل السلطات السورية الجديدة، شريطة توفر تفويض واضح من الأطراف المعنية ودعم من أطراف القوة الدولية المؤثرة ذات الصلة.
وبتطبيق مبدأ مقاصد الشريعة (الحفاظ على المبادئ الأساسية للفقه الإسلامي)، تمتلك السلطات السورية الجديدة في صفوفها الكفاءات الفكرية، فضلاً عن المؤهلات الدينية والسياسية، التي تؤهلها لتصبح مركزاً إقليمياً للمفاوضات وحل النزاعات، بدلاً من كونها مركزاً لتصدير الصراعات كما كان حالها على مدى الخمسين عاماً الماضية.
