
حددت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية سعر شراء القمح القاسي لهذا الموسم عند 46 ألف ليرة سورية للطن، أي ما يعادل نحو 340 دولاراً. إلا أن القرار أثار سريعاً انتقادات واسعة من المزارعين في عدة مناطق، خصوصاً في منطقة الجزيرة، حيث اعتبر كثيرون أن السعر لا يغطي تكاليف الإنتاج.
ويرى مزارعون وباحثون زراعيون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في سعر البيع بحد ذاته، بل في الارتفاع المستمر لتكاليف الزراعة. فقد أدت أسعار الوقود والأسمدة والري والنقل والتحديات التشغيلية الموسمية إلى زيادة النفقات خلال السنوات الأخيرة، ما فرض ضغوطاً إضافية على المنتجين الذين يعانون أساساً من عدم الاستقرار الاقتصادي.
وقال أحد المزارعين من الحسكة في حديثه لـ Levant24 إن آلية التسعير الجديدة لا تعكس الواقع الذي يواجهه المنتجون في الحقول. وأضاف:
“هذا السعر غير عادل، ولا يتناسب مع تعبي وجهدي وتكاليفي. لكي أُنتج محصولي أحتاج فعلياً إلى ما يقارب ضعف السعر الذي حددته الدولة. وإذا استمر هذا التسعير فلن أزرع أرضي في السنوات المقبلة. أنا وعائلتي ننتظر عاماً كاملاً لنصاب بخيبة أمل”.
الموازنة بين الاستيراد والأمن الغذائي
تأتي هذه الانتقادات رغم أن الحكومة تشتري القمح المحلي بأسعار أعلى من الأسعار العالمية. إذ يتراوح سعر القمح الروسي حالياً بين 236 و242 دولاراً للطن، بينما يبلغ متوسط سعر القمح الأوروبي بين 230 و250 دولاراً للطن. وحتى مع احتساب تكاليف الشحن والتأمين إلى سوريا، تبقى كلفة القمح المستورد غالباً أقل من 290 دولاراً للطن.
ومن الناحية المالية البحتة، يبدو استيراد القمح من دول مثل روسيا أو أوكرانيا أقل تكلفة على الخزينة السورية، خاصة بعد تراجع الأسعار العالمية من مستوياتها المرتفعة في عامي 2022 و2023 التي تجاوزت 400 دولار للطن. ومع ذلك، تواصل الحكومة الموازنة بين الكلفة المالية المباشرة والأولويات الاستراتيجية الأوسع.
وتهدف الدولة إلى دعم المزارعين المحليين وتقليل الاعتماد على الاستيراد والحفاظ على الأمن الغذائي رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي. وتتبنى دول أخرى سياسات مشابهة، إذ تقوم تركيا بشراء القمح المحلي بأسعار مرتفعة، بينما يقدم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة برامج دعم تهدف إلى استقرار الإنتاج الزراعي وحماية الإمدادات الغذائية.
جدل حول استدامة القطاع الزراعي
يرى المسؤولون أن سياسة تسعير القمح تأتي ضمن جهود تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية. لكن العديد من المزارعين والمحللين يؤكدون أن الأسعار الحالية تحتاج إلى مراجعة لتحقيق توازن أكثر استدامة بين إمكانيات الدولة المالية وسبل عيش العاملين في القطاع الزراعي.
كما يحذرون من أن استمرار الاستثمار طويل الأمد في القطاع الزراعي السوري يعتمد على استقرار أسعار القمح وضمان عوائد مالية مجزية. وبدون حوافز أقوى، قد يلجأ بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة في المواسم المقبلة، ما قد يضعف القدرة الإنتاجية المحلية على المدى البعيد.
