
تشهد سوريا تحولاً كبيراً نحو الطاقة الشمسية سعياً لإيجاد حلول لأزمة الكهرباء المطوّلة. ففي أعقاب الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة خلال الحرب المستمرة منذ 14 عاماً، برزت الطاقة المتجددة كخيار يحظى بأهمية متزايدة للأسر والشركات على حد سواء.
ومع استمرار جهود التعافي وإعادة الإعمار، أصبحت الطاقة الشمسية وسيلة عملية لمعالجة النقص المزمن في الكهرباء ودعم قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وقد دفعت أزمة ارتفاع تكاليف الوقود وعدم استقرار الخدمة في الشبكة العامة العديد من السوريين إلى الاستثمار في أنظمة طاقة مستقلة.
الواردات تسجل مستويات قياسية جديدة
تظهر البيانات الأخيرة زيادة حادة في واردات سوريا من الألواح الشمسية من الصين. ووفقاً لـ “وحدة أبحاث الطاقة” (Energy Research Unit) في واشنطن، أصبحت مصفوفات الألواح الشمسية مشهداً مألوفاً فوق المنازل، والمباني التجارية، والمدارس في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء.
وتشير أرقام مركز أبحاث الطاقة النظيفة (Ember) إلى أن الواردات تسارعت بشكل ملحوظ خلال ربيع عام 2026؛ حيث استوردت سوريا ألواحاً شمسية بقدرة 10 ميغاوات في شهر آذار/مارس، تلاها 20 ميغاوات في نيسان/أبريل، مما يمثل زيادة بنسبة 100% في شهر واحد فقط.
ويُعد حجم هذا النمو لافتاً بشكل خاص لأن واردات شهر نيسان/أبريل وحده عادلت إجمالي واردات البلاد من الألواح الشمسية الصينية خلال عام 2025 بأكمله. فخلال ذلك العام، اقتصرت الواردات على شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو ولم تتجاوز قدرتها الإجمالية مجتمعة 20 ميغاوات.
ويعكس هذا الارتفاع الطلب المتزايد على بدائل الوقود الأحفوري المكلف والمولدات الخاصة. وبالنسبة للعديد من العائلات السورية، أصبحت الطاقة الشمسية أحد أكثر الخيارات استدامة وبأسعار معقولة لتأمين كهرباء موثوقة.
دعم الزراعة في المناطق الريفية
يمتد استخدام الطاقة الشمسية الآن إلى ما هو أبعد من الاحتياجات الكهربائية المنزلية؛ ففي ريف سوريا، يعتمد المزارعون بشكل متزايد على الأنظمة العاملة بالطاقة الشمسية لتشغيل مضخات المياه الجوفية وشبكات الري الحديثة.
ومع غياب كهرباء الشبكة العامة في كثير من الأحيان، تساعد تكنولوجيا الطاقة الشمسية في استدامة الإنتاج الزراعي، لا سيما خلال فترات الجفاف ونقص الوقود. وقد مكن هذا التحول المزارعين من خفض التكاليف التشغيلية مع الحفاظ على ري المحاصيل الهامة.
ورغم هذا التوسع، لا تزال الطاقة الشمسية تمثل حصة صغيرة نسبياً من إجمالي توليد الكهرباء في سوريا؛ إذ تشير التقديرات الحالية إلى أن مساهمتها تقل عن 0.4% من مزيج الطاقة الوطني، في حين يستحوذ النفط والغاز الطبيعي على أكثر من 96% من الإنتاج. وتؤكد هذه الأرقام الحاجة إلى مشاريع ضخمة على مستوى المرافق الخدمية قادرة على دعم الطلب الصناعي وتخفيف الضغط عن البنية التحتية القائمة.
استثمارات جديدة وتعاون إقليمي
استمرت قدرة الطاقة المتجددة في النمو خلال عام 2025، حيث ارتفعت بنسبة 22% لتصل إلى أكثر من 3.8 غيغاوات، مقارنة بنحو 3.11 غيغاوات في عام 2024. هذا النمو وضع سوريا في المرتبة الخامسة بين الدول العربية من حيث قدرة الكهرباء المتجددة.
واستحوذت الطاقة الشمسية على النصيب الأكبر من هذه الزيادة، لتصل إلى 2.25 غيغاوات بعد إضافة 640 ميغاوات خلال العام، بمعدل نمو بلغ 40%. في المقابل، ظلت طاقة الرياح محدودة، حيث استقرت قدرتها الإجمالية عند 5 ميغاوات فقط. ولإيجاد حلول لنقص الكهرباء المستمر، سعت السلطات السورية إلى إبرام شراكات مع شركات إقليمية ودولية.
وتشمل الاتفاقيات المقترحة مشاريع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح بإجمالي 500 ميغاوات مع شركتي “الخرافي” و”SCLCO” السعوديتين، بالإضافة إلى خطط مع شركة “سولار إنرجي” الأمريكية لتطوير محطتين للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ 200 ميغاوات مع أنظمة مدمجة لتخزين الطاقة بالبطاريات. وتهدف هذه المشاريع إلى تعزيز أمن الطاقة، وتوسيع نطاق التوليد المتجدد، ودعم جهود إعادة الإعمار الأوسع نطاقاً في جميع أنحاء سوريا.
