
في خطوة تشير إلى تحول في السياسة الاقتصادية، طلبت سوريا تسريع مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي (IMF). وقال وزير المالية محمد يسر برنية إن دمشق تتوقع وصول أول بعثة من الصندوق منذ عام 2010 في النصف الثاني من هذا العام.
ولا يهدف هذا الطلب إلى الحصول على قروض، بل تؤكد الحكومة أنها تسعى للحصول على مشورة فنية لدعم الإصلاحات الاقتصادية. وأدلى برنية بهذه التصريحات خلال اجتماعات في واشنطن، واصفًا الخطوة بأنها جزء من جهد تدريجي لإعادة بناء العلاقات المؤسسية بعد سنوات من الانقطاع المحدود.
دعم المانحين وخطط التمويل البديلة
في الوقت نفسه، تسعى سوريا إلى الحصول على تمويل عبر قنوات تتجنب الاقتراض التقليدي. وناقشت الحكومة خططًا لعقد مؤتمر دولي للمانحين بدعم من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، مع توقع أن تلعب السعودية دورًا رئيسيًا فيه.
كما يجهّز صندوق أوبك للتنمية الدولية برنامج تمويل يقدّر بنحو 500 مليون دولار. ويستهدف البرنامج قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، مع فترات سداد تتراوح بين 15 و25 عامًا بشروط ميسرة.
وتعكس هذه الجهود حجم احتياجات إعادة الإعمار في سوريا، والتي يقدّرها محللون بين 200 و250 مليار دولار. وتؤكد السلطات أن الاعتماد على القروض التقليدية فقط سيشكل ضغطًا غير مستدام على المالية العامة.
تحويل استراتيجية العجز نحو أدوات داخلية
حددت الحكومة عجز الموازنة بنحو 1.8 مليار دولار، وتعهدت بعدم تمويله عبر المصرف المركزي، بهدف الحد من التضخم واستقرار الليرة السورية. وبدلاً من ذلك، تخطط السلطات للاعتماد على الاقتراض الداخلي عبر السندات والصكوك (أدوات مالية إسلامية تشبه السندات في التمويل الغربي)، مع استخدام محدود فقط للدين بالعملة الأجنبية.
وتشمل الاستراتيجية أيضًا مساهمات متوقعة من صندوق سيادي ما يزال قيد التطوير. وإذا نُفذت بشكل فعّال، فسيشكل ذلك تحولًا عن السياسات السابقة التي اعتمدت بشكل كبير على التوسع النقدي لتغطية العجز.
تغييرات ضريبية لتوسيع القاعدة الإيرادية
بالتوازي مع تعديلات التمويل، تخطط الحكومة لإطلاق نظام ضريبي مبسط خلال الأسابيع المقبلة. ويقترح المشروع تحديد ضريبة الدخل بحد أقصى 15%، وضريبة مبيعات بنسبة 5%، مع الانتقال إلى ضريبة ازقيمة المضافة بنفس النسبة.
وتؤكد الحكومة أن الإصلاح يركز على توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الالتزام، وليس زيادة الضغط على المكلفين الحاليين. كما ستُعفى السلع الأساسية وذوو الدخل المحدود. وأشار برنية إلى أن إيرادات سوريا الضريبية تُعد من الأدنى في المنطقة، ما يبرز الحاجة إلى الإصلاح.
موازنة الإصلاح مع الضغوط الاقتصادية
رغم هذه الخطط، تواجه الحكومة تحديات كبيرة. فارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية يواصلان الضغط على الأسر، فيما لا تزال آثار الحرب والعقوبات والنزوح قائمة. وتقول السلطات إنها تعمل على إعداد تدابير دعم موجهة للفئات الضعيفة ضمن استراتيجية أوسع لمكافحة الفقر.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت سوريا قادرة على الحفاظ على الانضباط المالي مع تخفيف العبء عن المواطنين. ومن المرجح أن تحدد نتيجة هذا التوازن مسار الاقتصاد في السنوات المقبلة.
