
شهدت الأسابيع الأخيرة توغلات متكررة للقوات الإسرائيلية في محافظتي درعا والقنيطرة. ووفقًا لـ”تلفزيون سوريا”، دخلت دوريات إسرائيلية تضم ما يصل إلى 20 آلية قرى في حوض اليرموك، بما في ذلك معرية وجملة، إضافة إلى مناطق بين جملة وصيصون.
تحدث هذه التوغلات غالبًا ليلًا، وتكون مصحوبة بإطلاق قنابل مضيئة وتحليق طائرات استطلاع. وأفاد السكان أن هذه العمليات تسببت بحالة من الذعر بين المدنيين. كما نفذت القوات الإسرائيلية مداهمات ليلية في بلدة جباتا الخشب، حيث تم تفتيش المنازل بينما كانت الطائرات المسيّرة تحلق في الأجواء.
التأثير على المدنيين وتقارير عن اعتقالات
يتزامن هذا التصعيد مع تزايد المخاوف بشأن أوضاع المدنيين. وفي بيان، حذرت الأمم المتحدة من أن العمليات الإسرائيلية تؤثر بشكل متزايد على الحياة اليومية، مشيرة إلى حالات مضايقة، ومداهمات للمنازل، واعتقالات، وقيود على الحركة. كما أشارت إلى تقارير عن رش مواد كيميائية على الأراضي الزراعية وقصف يحد من وصول المزارعين إلى حقولهم.
وبحسب أرقام حكومية سورية نقلتها الأمم المتحدة، فقد تم اختطاف ما لا يقل عن 250 شخصًا في جنوب سوريا منذ سقوط الأسد، بينهم أطفال. ولا يزال نحو 50 شخصًا في عداد المفقودين، وقد نُقل بعضهم إلى سجون في الجولان المحتل، ما يثير مخاوف بشأن الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري.
وقد نقلت عائلات المعتقلين مطالبها إلى دمشق، حيث نظم أقاربهم احتجاجًا أمام وزارة الخارجية، داعين إلى تدخل دولي وكشف مصير المخطوفين.
بعض المعتقلين، بمن فيهم قاصرون، محتجزون منذ عامين. وتطالب العائلات الحكومة باتخاذ إجراءات للإفراج عنهم وتوضيح ظروف احتجازهم. ويُقدّر عدد المعتقلين من القنيطرة ودرعا وريف دمشق بنحو 46 شخصًا، وفقًا للمنظمين.
مخاوف إنسانية وأضرار بالبنية التحتية
إلى جانب الاعتقالات، أفاد السكان ومصادر محلية بوقوع أضرار في البنية التحتية الحيوية. فقد استهدف قصف إسرائيلي مناطق قرب سد المنطرة في القنيطرة، حيث سقطت خمس قذائف على الأقل بالقرب من الموقع. ورغم عدم تسجيل إصابات، فإن مثل هذه الضربات تثير مخاوف بشأن الأمن المائي واستدامة الزراعة.
كما زارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قرى في القنيطرة لتقييم الاحتياجات الإنسانية، حيث عرض السكان التأثيرات المتراكمة للتوغلات والقيود على الأراضي وعمليات الاختطاف. وقدم الأهالي قوائم بأسماء المختطفين مطالبين بمتابعة قانونية وإنسانية. وحذرت الأمم المتحدة من أن هذه التطورات تقوض سبل العيش، خاصة في المجتمعات الزراعية، وتؤثر على الحياة الأسرية والخصوصية.
خطط استيطانية تثير تحذيرات بارتكاب جرائم حرب
بالتوازي مع التصعيد العسكري، أثارت خطط استيطانية جديدة في الجولان المحتل انتقادات دولية. ففي 17 أبريل، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على خطة بقيمة 334 مليون دولار لتوسيع المستوطنات، بما في ذلك تطوير مستوطنة كتسرين لتصبح مركزًا حضريًا رئيسيًا، مع خطط لاستقدام 3,000 عائلة بحلول عام 2030.
وأثارت هذه الخطوة انتقادات حادة من منظمة هيومن رايتس ووتش. وقالت الباحثة البارزة هبة زيادين إن “الحكومة الإسرائيلية خصصت أموالًا عامة لارتكاب جريمة حرب في سوريا”، في إشارة إلى نقل سكان مدنيين إلى أراضٍ محتلة.
وحذرت المنظمة من أن هذه الإجراءات تنتهك القانون الدولي الإنساني وقد تكون لها تداعيات طويلة الأمد على السوريين النازحين، داعية الاتحاد الأوروبي ودولًا أخرى إلى تعليق الاتفاقيات التجارية وتقييد الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات.
كما أكدت الأمم المتحدة أن توسيع المستوطنات في الأراضي المحتلة يشكل انتهاكًا للقانون الدولي. ودعا المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى وضع حد لهذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
توترات في المجال الجوي وتداعيات إقليمية
تمتد التوترات إلى ما هو أبعد من العمليات البرية. فقد أعرب مسؤولون إسرائيليون عن قلقهم إزاء جهود سوريا لإعادة بناء أنظمة الدفاع الجوي، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية. وقد تؤدي هذه التطورات إلى تحدي ما تسميه إسرائيل “حرية العمل” في المجال الجوي الإقليمي.
في المقابل، أشارت سوريا إلى نيتها استعادة سيادتها على أجوائها، ما يزيد احتمالات الاحتكاك. وتخشى إسرائيل أن تؤدي تعزيزات الدفاعات السورية إلى تغيير التوازن الاستراتيجي، خاصة إذا ترافق ذلك مع تحولات في التحالفات الدولية.
ومع تلاقي التصعيد العسكري والتوسع الاستيطاني والمخاوف الإنسانية، تبقى جنوب سوريا نقطة توتر قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدودها.
