
رفعت سوريا مؤخرًا أسعار الوقود والغاز، في خطوة حذر اقتصاديون ومواطنون من أنها قد تؤدي إلى موجة جديدة من التضخم في بلد يعاني أصلًا من الفقر الواسع وضعف القدرة الشرائية.
وأعلنت الشركة السورية للبترول عن أسعار جديدة للمشتقات النفطية دخلت حيز التنفيذ في 7 مايو، موضحة أن القرار جاء نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية، وزيادة تكاليف الشحن، وتصاعد الضغوط الإقليمية التي تؤثر على قطاع الطاقة.
وبحسب الشركة، ارتفع سعر البنزين أوكتان 95 بمقدار 10 سنتات ليصل إلى 1.15 دولار لليتر بدلًا من 1.05 دولار، بينما ارتفع البنزين أوكتان 90 إلى 1.10 دولار بعد أن كان قد انخفض إلى 0.85 دولار أواخر عام 2025. كما ارتفع سعر المازوت من 0.75 إلى 0.88 دولار لليتر.
وشملت الزيادات أيضًا مستلزمات الطاقة المنزلية، حيث ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.50 دولار بدلًا من 10.50 دولار، بينما ارتفع سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى 20 دولارًا بعد أن كان 16.80 دولارًا.
وفي تصريحات حديثة، قالت الشركة إن الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على “استدامة الخدمة وضمان استمرار التوريد” في ظل التطورات الإقليمية والدولية، مضيفة أن السلطات حافظت على استقرار الأسعار لأشهر رغم ارتفاع التكاليف التشغيلية.
اقتصاديون يحذرون من موجة تضخم
يرى محللون اقتصاديون أن هذه الزيادات ستنعكس سريعًا على الاقتصاد السوري الهش، لأن الوقود يؤثر بشكل مباشر على النقل والتصنيع وتوزيع المواد الغذائية.
وقال الاقتصادي عمار يوسف لوسائل إعلام محلية إن ارتفاع تكاليف الوقود، الذي تراوح بين 17% و30%، قد يدفع أسعار السلع في الأسواق المحلية إلى الارتفاع بنسبة تصل إلى 50% أو 60%.
وأوضح أن تكاليف النقل سترتفع بدورها، ما سينعكس على أسعار البضائع في مختلف أنحاء البلاد، لأن نفقات الشحن تعد عنصرًا أساسيًا في تسعير المنتجات داخل الأسواق السورية.
وربط يوسف هذه الزيادات بالاضطرابات في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار المحيطة بمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات شحن النفط في العالم.
كما حذر من أن التداعيات قد تكون قاسية على السوريين، في وقت تكافح فيه عائلات كثيرة لتأمين الاحتياجات الأساسية. وأشار إلى أن سوريا لا تزال تعتمد بشكل كبير على النفط المستورد رغم استعادتها السيطرة على حقول نفطية رئيسية.
وأضاف أن إعادة تأهيل تلك الحقول قد تستغرق بين عامين وأربعة أعوام، ما يبقي البلاد عرضة لارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل. وتؤثر المشتقات النفطية على تسعير نحو 95 سلعة في سوريا، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار الوقود ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والنقل وسعر الصرف.
مخاوف متزايدة بشأن تكاليف المعيشة
تصاعدت الانتقادات الشعبية بعد إعلان الزيادات، بما في ذلك من حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع.
وفي منشور على فيسبوك، حذر الشرع من أن ارتفاع أسعار الوقود سيزيد تكاليف النقل والزراعة والصناعة والأدوية والكهرباء، في وقت يواجه فيه السوريون تراجعًا في القدرة الشرائية وثباتًا في مستويات الدخل.
وقال: “من يقترح هذه الزيادات يجب أن يدرك العواقب الكارثية التي ستنتج عنها”، معتبرًا أن مستويات الدخل في سوريا لا يمكن مقارنتها بدول الجوار رغم الحديث عن التسعير وفق الأسعار العالمية.
كما استذكر زيادة أسعار المازوت عام 2008 خلال حكم نظام الأسد، والتي قال إنها ساهمت في تراجع الإنتاج الزراعي وتفاقم الفقر في شمال شرقي سوريا، محذرًا من أن الضغوط الاقتصادية آنذاك ساعدت لاحقًا في تأجيج حالة الغضب الشعبي والاضطرابات الاجتماعية.
مستقبل غير واضح لقطاع الطاقة
ويؤكد مسؤولون سوريون أن هذه التعديلات ضرورية لضمان توفر الوقود واستقرار قطاع الطاقة.
ويرى بعض المراقبين أن سوريا قد تتمكن مستقبلًا من تقليل اعتمادها على واردات الطاقة الأجنبية بعد إعادة تأهيل حقول النفط والغاز المحلية.
لكن اقتصاديين يحذرون من أن الضغوط قصيرة الأمد على الأسر والشركات قد تتفاقم قبل ظهور أي مكاسب طويلة الأمد. ومع استمرار انخفاض الأجور وارتفاع التضخم، يواجه كثير من السوريين احتمال ارتفاع تكاليف النقل والتدفئة والسلع الأساسية خلال الأشهر المقبلة.
