
بعد عقود من انتهاكات حقوق الإنسان في ظل نظام الأسد، تسعى السلطات الانتقالية في سوريا إلى إعادة صياغة علاقة البلاد مع المؤسسات الإنسانية والأطر القانونية الدولية. وواجهت سوريا تحت حكم عائلة الأسد اتهامات دولية بالاعتقال التعسفي، والتعذيب الممنهج، والإخفاء القسري، واستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين.
وقد جعل إرث تلك الاتهامات ملف حقوق الإنسان من أكثر القضايا حساسية التي تواجه المرحلة الانتقالية. وفي خطوة تشير إلى تحول في التوجه السياسي، انضمت سوريا إلى المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني؛ وهي المنصة التي أطلقتها كل من الأردن والبرازيل والصين وفرنسا وكازاخستان وجنوب إفريقيا بالشراكة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية السورية، فإن هذه الخطوة تعكس التزام سوريا الجديد بتعزيز انخراطها داخل النظام الدولي. وسلم المندوب الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، وثيقة الانضمام إلى رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً على جهود دمشق لإعادة بناء العلاقات الدولية من خلال الالتزامات القانونية والإنسانية والتواصل الدبلوماسي.
إعادة بناء الثقة الدولية
أكد خبراء قانونيون ومدافعون عن حقوق الإنسان أن هذا الانضمام يحمل دلالات سياسية وقانونية هامة للمرحلة الانتقالية في سوريا. وصرح الدكتور محمد خالد الشاكر، الزميل الباحث في القانون الدولي وأنظمة الحوكمة بجامعات كاليفورنيا، لصحيفة الثورة السورية بأن الخطوة تعكس انفتاحاً دولياً متزايداً تجاه سوريا، مما قد يساعد البلاد في تأمين الدعم للملفات الحساسة مثل العدالة الانتقالية وقضايا المفقودين.
من جانبها، وصفت الدكتورة فاتن رمضان، رئيسة منظمة “بلا قيود” (Sans Menottes) لحقوق الإنسان، هذه الخطوة بالمهمة لإعادة بناء الثقة الدولية وتحسين صورة سوريا في الخارج.
كما أشار محللون إلى أن الانضمام يعكس أيضاً اعترافاً بضرورة حماية المدنيين ومنع الانتهاكات الجسيمة في أي صراعات مستقبلية. ولفتوا إلى أن المبادرة قد تشجع على تطوير التشريعات الوطنية وآليات المساءلة، مما يمثل نقطة تحول عن السياسات التي ساهمت في عزلة سوريا الدولية طوال العقود الماضية.
من الالتزامات إلى التنفيذ
على الرغم من الرمزية السياسية للانضمام، يرى مراقبون أن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة الالتزامات الدولية إلى سياسات ملموسة وإصلاحات مؤسسية؛ إذ تركز المبادرة على تدابير عملية تهدف إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية أثناء النزاعات المسلحة.
وشددت الدكتورة فاتن رمضان على أهمية تحديث التشريعات الوطنية، وإدراج القانون الدولي الإنساني في برامج التدريب العسكرية والأمنية، ودعم جهود العدالة الانتقالية من خلال هيئات رقابية وطنية.
كما سلط الدكتور محمد خالد الشاكر الضوء على أولويات انتقالية أوسع، بما في ذلك تعزيز مؤسسات الدولة بالكوادر المؤهلة، وتفعيل الحوار الوطني، وصياغة دستور دائم قادر على عكس توافق مجتمعي واسع.
ورحبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بانضمام سوريا، مشيرة إلى توسيع نطاق التعاون في قضايا تشمل زيارة مراكز الاحتجاز والجهود المبذولة لتحديد أماكن المفقودين. وتعد هذه الخطوة بمثابة مرحلة أولى في محاولة سوريا لاستعادة دورها الدولي مع معالجة المخاوف الإنسانية والقانونية طويلة الأمد المرتبطة بالتاريخ الحديث للبلاد.
