
تحولت تجارة الكبتاغون في عهد نظام الأسد السابق من مجرد قضية جنائية أو أمنية إلى قضية اقتصادية وسياسية استقطبت اهتمام الأمم المتحدة والحكومات الغربية ومراكز الأبحاث الدولية. وربطت تقارير ودراسات عديدة توسع إنتاج الكبتاغون خلال السنوات الأخيرة من عمر النظام باعتماده المتزايد على الاقتصاد غير المشروع بعد انهيار مصادر دخله التقليدية.
وأشار التقرير العالمي للمخدرات لعام 2025 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) إلى أن نظام الأسد حقق مليارات الدولارات من تجارة الكبتاغون خلال سنوات الثورة، بعدما دفعته العقوبات الدولية إلى الاعتماد على مصادر دخل غير مشروعة. واعتبر التقرير سوريا في عهد الأسد مركزًا رئيسيًا لإنتاج الكبتاغون وتهريبه، لكنه أوضح أن تحديد حجم الإيرادات بدقة يبقى صعبًا بسبب الطبيعة السرية والعابرة للحدود لهذه التجارة.
وتتوافق هذه النتائج مع تقديرات معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة، الذي قدّر عائدات النظام السنوية من تجارة الكبتاغون بنحو 2.4 مليار دولار، فيما بلغ حجم السوق العالمية المرتبطة بهذه المادة نحو 10 مليارات دولار سنويًا، ما يعكس مدى اعتماد النظام السابق على عائدات المخدرات مع تدهور الاقتصاد السوري.
تحول الاقتصاد نحو الإيرادات غير المشروعة
ذكر تقرير المرصد الاقتصادي السوري لعام 2024 الصادر عن البنك الدولي أن تجارة الكبتاغون أصبحت أحد أبرز المؤشرات على تحول الاقتصاد السوري خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد، نتيجة السياسات الحكومية التي أضعفت القطاعات الإنتاجية وأسهمت في فرض العقوبات الدولية.
وقدّر التقرير القيمة السنوية لسوق الكبتاغون ذي المنشأ السوري بين 1.9 و5.6 مليارات دولار خلال الفترة بين عامي 2020 و2023، وهي أرقام تفوق قيمة الصادرات السورية القانونية التي بلغت نحو 960 مليون دولار في عام 2023. لكنه أشار إلى أن حجم الأموال التي كانت تصل فعليًا إلى سوريا لا يزال غير واضح بسبب العقوبات والقيود على التحويلات المالية.
كما خلص مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن تجارة الكبتاغون أصبحت أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للنظام، وأن الاقتصاد السوري ابتعد تدريجيًا عن القطاعات الإنتاجية التقليدية نحو الأنشطة غير القانونية التي ساعدت في تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات. وأضاف أن هذه الإيرادات ساهمت أيضًا في تمويل شبكات وأفراد مرتبطين بالمؤسسات العسكرية والأمنية.
عقوبات غربية استهدفت شبكات الكبتاغون
عكست الحكومات الغربية هذه التقييمات في إجراءاتها. ففي 28 مارس/آذار 2023، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) فرض عقوبات، بالتنسيق مع المملكة المتحدة، على أفراد متهمين بدعم إنتاج وتهريب الكبتاغون لصالح نظام الأسد. وأكدت الوزارة أن هذه التجارة تحولت إلى نشاط إجرامي يدر مليارات الدولارات، وأن النظام اعتمد بصورة متزايدة على إنتاج وتهريب المخدرات للحصول على العملات الصعبة في ظل العقوبات والأزمة الاقتصادية.
وفي 24 أبريل/نيسان 2023، فرض مجلس الاتحاد الأوروبي عقوبات على 25 شخصًا و8 كيانات مرتبطة بإنتاج الكبتاغون، شملت أفرادًا من عائلة الأسد ورجال أعمال وشخصيات مرتبطة بالأجهزة العسكرية والأمنية للنظام السابق. وأوضح المجلس أن تجارة الكبتاغون أصبحت نموذجًا اقتصاديًا يديره النظام السابق لإثراء دائرته المقربة وتمويل سياساته.
تفكيك بنية اقتصاد الكبتاغون
ورغم اختلاف التقديرات، تتفق معظم التقارير على أن الكبتاغون أصبح أحد أهم مصادر العملات الأجنبية لنظام الأسد في سنواته الأخيرة، وشكل شريانًا ماليًا أساسيًا لبقائه.
ومنذ سقوط النظام السابق، اتخذت الحكومة السورية الجديدة سلسلة من الإجراءات الأمنية والقانونية لتفكيك شبكات إنتاج وتهريب الكبتاغون، وألقت القبض على عدد من المتورطين، بينهم وسيم الأسد، ابن عم بشار الأسد.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السلطات السورية هو تفكيك البنية التحتية للاقتصاد غير المشروع الذي شكّل لسنوات أحد أهم مصادر تمويل النظام السابق.
