
تحتفل سوريا، تزامنًا مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، بواقع إعلامي آخذ في التحول، يعكس قطيعة مع عقود من القمع في ظل نظام الأسد، إلى جانب التحديات التي تواجهها البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
في بيان لوزارة الإعلام السورية، وُصِف الماضي بأنه اتسم بسيطرة صارمة، حيث فرض نظام الأسد وحزب البعث، على مدى أكثر من 50 عامًا، قيودًا شديدة على العمل الصحفي في سوريا.
وخلال سنوات الثورة، واجه الصحفيون “الاغتيال والاستهداف والملاحقة والاعتقال التعسفي والقتل تحت التعذيب” على يد نظام الأسد، ما جعل سوريا “واحدة من أخطر الأماكن في العالم على الصحفيين”، ودفع الصحفيين المواطنين إلى سد الفراغ بعد انهيار المؤسسات الإعلامية التقليدية.
وأشارت الوزارة إلى أن العديد من هؤلاء قُتلوا أو أُصيبوا أو اعتُقلوا أثناء توثيقهم للأحداث، معتبرةً المرحلة الحالية نقطة تحول، حيث أكدت أن “وضع حرية الصحافة في سوريا اليوم لا يمكن وصفه بأنه مجرد تحسن، بل هو تحول جذري”.
انفتاح متزايد وحضور إعلامي أوسع
تؤكد السلطات أن الانفتاح الإعلامي المتزايد يعد مؤشرًا على التغيير. ووفقًا لوزارة الإعلام، استقبلت سوريا أكثر من 3100 وفد إعلامي أجنبي، إضافة إلى أكثر من 4600 صحفي من مؤسسات دولية منذ بدء المرحلة السياسية الجديدة.
كما أوضحت الوزارة أن الصحفيين يتمتعون بحرية الحركة والتغطية، بما في ذلك التقارير الناقدة للحكومة، شريطة الحصول على التصاريح اللازمة، مشيرةً إلى أن نظام التراخيص يهدف إلى تنظيم المشهد الإعلامي لا تقييده.
وتُظهر مؤشرات دولية بعض التحسن، إذ تقدمت سوريا 36 مرتبة في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، لتصل إلى المرتبة 141 بعد سنوات من الترتيب المتدني. كما رحبت السيناتورة الأمريكية جين شاهين بهذا التقدم، واعتبرته “خطوة إيجابية على طريق الإصلاح”.
تحديات مستمرة على المستوى المهني والبنيوي
رغم هذه التطورات، لا تزال هناك فجوات قائمة، أبرزها صعوبة الوصول إلى المعلومات، والتي تشكل عقبة رئيسية أمام الصحفيين. ورغم تحسن التعاون مع وزارة الإعلام، إلا أنها لا تزال الجهة الوحيدة المخولة بالموافقة على التصريحات الرسمية، ما قد يؤدي إلى تأخير النشر.
وتشير تقارير محلية إلى أن الحصول على المعلومات يتطلب إجراءات طويلة، كما أن الموافقة لا تضمن دائمًا كشفًا كاملاً للبيانات، مما يحد من قدرة الصحفيين على تغطية قضايا الرأي العام في الوقت المناسب.
كما تزداد تعقيدات المشهد بسبب الاستقطاب الاجتماعي، حيث ترافقت حرية التعبير المتزايدة مع تصاعد حدة الانقسام على الإنترنت، ما يعرض الصحفيين أحيانًا لحملات مضايقة أو هجمات منظمة بسبب آرائهم، وهو ما قد يثني البعض عن الانخراط في نقاشات مفتوحة.
ورغم أن وسائل الإعلام الرسمية بدأت تتناول مواضيع كانت تُعد حساسة سابقًا، بما في ذلك انتقاد أداء الحكومة، إلا أن إرث الرقابة الطويل لا يزال ينعكس على بعض الصحفيين الذين يترددون في الطرح بنفس الجرأة التي تعتمدها وسائل الإعلام الأجنبية.
بين الإصلاح وواقع المرحلة الانتقالية
تعترف الحكومة بأن المشهد الإعلامي لا يزال غير مكتمل. فقد أُلغيت القوانين التي كانت تُستخدم في عهد الأسد لقمع الحريات، لكن الإطار القانوني الجديد لم يكتمل بعد، بانتظار تشكيل برلمان.
وأفاد المسؤولون أنهم يعملون بالتعاون مع وزارتي الداخلية والعدل لتعزيز حماية الصحفيين ووضع لوائح تنظيمية واضحة، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق قد تفرض قيودًا مؤقتة على الوصول لأسباب تتعلق بالسلامة.
واختتمت الوزارة بالقول: “إن حرية الصحافة في سوريا اليوم ليست مجرد ادعاء، بل واقع يتطور، غير مكتمل، لكنه يسير بوضوح في الاتجاه الصحيح”، في إشارة إلى تعقيدات إعادة بناء المؤسسات الإعلامية بعد سنوات طويلة من الصراع.
